متظاهرون إيرانيون يواجهون قوات الأمن خلال الاحتجاجات الأخيرة
السياسة

إيران: تصاعد القمع وحجب المعلومات في ظل الاحتجاجات المتواصلة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تشهد إيران منذ الثامن والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي موجة احتجاجات واسعة النطاق، بدأت بإضراب للتجار في طهران وسرعان ما امتدت لتشمل مختلف أنحاء البلاد. ومع دخول هذه الاحتجاجات يومها التاسع عشر، تتصاعد وتيرة القمع الحكومي ضد المتظاهرين، في ظل تعتيم إعلامي وحظر شامل على الاتصالات، مما يجعل تفاصيل الأحداث تتكشف ببطء شديد. ويترقب المراقبون الدور المحتمل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يواصل تشجيع المحتجين، في تحديد مسار التطورات المستقبلية.

تصاعد العنف وحصيلة الضحايا

شهدت حملة القمع التي يمارسها النظام الإيراني عنفاً استثنائياً، حيث تتضارب التقديرات حول أعداد الضحايا. فبينما تشير “منظمة حقوق الإنسان إيران” ومقرها النرويج إلى مقتل 734 متظاهراً وإصابة الآلاف، يقدم مذيع دولي ناطق بالفارسية رقماً صادماً يقدر عدد القتلى بنحو 12 ألفاً، نقلاً عن مصادر داخل البلاد. وحتى النظام نفسه، وفقاً لرويترز، أعلن عن مقتل حوالي ألفي شخص خلال الاحتجاجات، وهو رقم يُرجّح أنه يشمل عناصر أمنية.

وفي تطور آخر، أفادت “وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان” (HRANA) ومقرها الولايات المتحدة، بأن ما لا يقل عن 2571 شخصاً قد لقوا حتفهم حتى الآن. وتتحدث التقارير عن استهداف قوات الأمن لعيون المتظاهرين، حيث وثّق طبيب عيون في طهران أكثر من 400 إصابة في العيون ناجمة عن إطلاق النار في مستشفى واحد. وتكشف شهادة طبيب إيراني لشبكة CNN عن تحول مفاجئ في طبيعة الإصابات، مشيراً إلى استخدام الذخيرة الحية والرصاص الثقيل، وإطلاق النار على وجوه المصابين من مسافة قريبة، مع قيام قوات الأمن بجمع بياناتهم في المستشفيات.

ولوضع هذه الأرقام في سياقها التاريخي، يُذكر أن التقدير العام لعدد القتلى خلال الثورة الإيرانية بين عامي 1978 و1979 يتراوح بين عدة مئات و3000 كحد أقصى، بينما يشير باحث إلى أن إجمالي معارضي النظام الذين قُتلوا بين عامي 1963 و1979 بلغ 3164 شخصاً، مما يبرز حجم العنف الحالي في فترة زمنية أقصر بكثير.

رواية النظام والتهديدات القضائية

يتبنى النظام الإيراني رواية مفادها أن الاحتجاجات مدفوعة من قبل “عملاء إرهابيين” تابعين للولايات المتحدة وإسرائيل، مع التركيز بشكل خاص على دور جهاز الموساد. وقد نشرت قناة “برس تي في” التابعة للنظام عناوين مثل “قوات الأمن الإيرانية تعتقل عميلًا للموساد يعمل بين مثيري الشغب”. ويصف المرشد الأعلى علي خامنئي المحتجين بـ”مثيري الشغب” حصرياً. ويزعم النظام أيضاً مقتل أكثر من مئة عنصر من قواته الأمنية منذ بدء الاحتجاجات، وقد أُقيمت جنازات جماعية لهم وسط احتفالات واسعة.

على الصعيد القضائي، أشار رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، إلى أن محاكمات سريعة وعمليات إعدام تنتظر المعتقلين، مؤكداً على ضرورة الإسراع في الإجراءات لضمان فعاليتها.

حجب المعلومات وتداعياته

فرض النظام الإيراني إغلاقاً شبه كامل للاتصالات، رداً على دعوات للتجمع والهتاف الموحد، مما خفّض مستوى الاتصال العام إلى 1-3% من معدلاته الطبيعية. وتعطلت خدمات الهاتف المحمول والأرضي بشدة، كما عمدت الحكومة إلى التشويش على إشارات نظام تحديد المواقع (GPS) ومصادرة أطباق “ستارلينك” الفضائية. ورغم إعادة السماح ببعض الاتصالات الدولية مؤخراً، إلا أن التقييد الشامل على تدفق المعلومات لا يزال قائماً.

يُعد هذا الحظر بالغ الأهمية، فهو لا يعيق تواصل العائلات واطمئنانها على ذويها، ولا يمنع المستشفيات من العمل بفعالية فحسب، بل يحول أيضاً دون تنسيق المتظاهرين ويتيح للنظام التستر على الحجم الحقيقي للضحايا والانتهاكات. ويصبح التحقق من الأعداد وتوثيق الانتهاكات أمراً شبه مستحيل، مما يفتح الباب أمام انتشار الادعاءات المتضاربة في ظل غياب التغطية الأجنبية وإسكات الصحفيين المحليين.

وفي سياق هذه الفوضى المعلوماتية، أعلن “الجيش الوطني الكردستاني” يوم الثلاثاء عن سيطرته على مقر الحرس الثوري الإيراني في كرمانشاه، وهي مدينة مليونية ذات غالبية كردية. ورغم الدور المهم الذي تلعبه جماعات المعارضة الكردية في الاحتجاجات، يبقى مدى صحة هذا الادعاء محل تساؤل.

عقوبات قاسية وتهديدات بالإعدام

يواجه المعتقلون تهديدات بأقسى العقوبات، بما في ذلك تهمة “الحرابة” التي تشمل بتر الأطراف والإعدام. ويُعتقد أن متظاهراً يدعى إرفان سلطاني، يبلغ من العمر 26 عاماً، قد يواجه الإعدام شنقاً هذا الأسبوع، بعد اعتقاله مؤخراً.

تجدر الإشارة إلى أن قطع الإنترنت بشكل دائم في إيران أمر صعب للغاية، نظراً لدوره الحيوي في الاقتصاد. فبدون الإنترنت، تتعطل الخدمات المصرفية وأجهزة الصراف الآلي. وتشير دراسة إلى أن 60% من المستطلعين نقلوا أعمالهم إلى الإنترنت جزئياً أو كلياً، وأن منصة “إنستغرام” هي الأكثر استخداماً لتحقيق الدخل، بمتوسط 2,000,000 تومان (حوالي 475 دولاراً) شهرياً لكل مشارك. كما أن “شبكة المعلومات الوطنية” التي يروج لها النظام، وهي شبكة داخلية تديرها الدولة، لم تكتمل بعد رغم العمل عليها لأكثر من عقد.

موقف الرئيس ترامب والخيارات الأمريكية

تبرز قضية إرفان سلطاني دور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تسليط الضوء على تعامل النظام الإيراني مع المتظاهرين. فقد هدد ترامب باتخاذ “إجراءات قوية جداً” ضد إيران إذا نفذت السلطات تهديداتها بإعدام المحتجين. ومنذ بداية الاضطرابات، أكد ترامب أن الولايات المتحدة “مستعدة وعلى أهبة الاستعداد” للتدخل إذا ما “مارست العنف ضد المتظاهرين وقتلتهم”، متعهداً بـ”نجدتهم”. وقد صرح بأنه يدرك حجم القتل “الكبير” وسيرد “وفقاً لذلك”، داعياً “الوطنيين الإيرانيين” لمواصلة الاحتجاج والسيطرة على مؤسساتهم، وحفظ أسماء “القتلة والمسيئين” لأنهم “سيدفعون ثمناً باهظاً”، ومؤكداً أن “المساعدة في الطريق”. في المقابل، هددت إيران باستهداف القواعد الأمريكية في حال تعرضها لهجوم.

خيارات الولايات المتحدة المحتملة:

  • ضربات جوية محدودة: استهداف قواعد ومستودعات تابعة للحرس الثوري وقوات الباسيج من قواعد أمريكية في المنطقة، وهو خيار عسكري قد يكون الأسهل في ظل غياب حاملات الطائرات حالياً.
  • هجمات سيبرانية ودعم رقمي معزز: تنفيذ عمليات سيبرانية هجومية ضد البنية التحتية الإيرانية، بالإضافة إلى تعزيز الدعم الرقمي للمتظاهرين.

تستمر الأوضاع في إيران في التطور بوتيرة متسارعة، وسط حالة من عدم اليقين حول المستقبل، وتداعيات داخلية وإقليمية ودولية محتملة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة