شهدت العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تصاعداً ملحوظاً في التوتر مؤخراً، كشفت عنه أحداث اليمن الأخيرة، لكن جذور الخلافات بين القوتين الخليجيتين تتجاوز حدود الأزمة اليمنية لتمتد إلى ملفات جيوسياسية واقتصادية أعمق. ورغم أن انسحاب القوات الإماراتية من اليمن عقب غارة جوية استهدفت ميناء المكلا قد يهدئ من حدة المواجهة الظاهرة، إلا أن الواقعة أبرزت انعدام الثقة المتفاقم بين الرياض وأبوظبي.
تصاعد التوتر في اليمن: شرارة الخلاف العلني
لم تمضِ ساعات قليلة على الغارة الجوية التي شنتها مقاتلات “تحالف دعم الشرعية” على ميناء المكلا اليمني، حتى توالت الدعوات لسحب القوات الإماراتية من اليمن، مؤكدة السعودية أن أمنها القومي “خط أحمر”. في المقابل، أعربت الإمارات عن “مفاجأتها” بالحادثة، قبل أن تعلن “سحب قواتها المتبقية من اليمن بمحض إرادتها”. تأتي هذه التطورات في أعقاب تقدم مفاجئ لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، في جنوب اليمن مطلع ديسمبر الجاري، مما أدى إلى سيطرتها على مساحات واسعة، بما في ذلك محافظة حضرموت الاستراتيجية. هذا التقدم وضع السعودية والإمارات على طرفي نقيض، بعد أن كان المجلس شريكاً رئيسياً في التحالف الذي يقاتل الحوثيين المدعومين من إيران.
أكدت كلتا الدولتين إجراء محادثات مع الجماعات اليمنية لاحتواء الوضع، إلا أن التحالف نفذ غارات جوية في حضرموت مرتين خلال الأيام الماضية، بينما رفض المجلس الانتقالي الجنوبي دعوات التحالف بالانسحاب. ونفت الإمارات، في بيان لها، أي دور في عمليات من شأنها تقويض أمن السعودية أو استهداف حدودها، مؤكدة سعيها للتهدئة.
السودان: ملف خلافي آخر يفاقم الأزمة
لا يقتصر التنافس بين الرياض وأبوظبي على اليمن، بل يمتد ليشمل ساحات أخرى مثل السودان، الذي يعاني من حرب أهلية وأسوأ أزمة إنسانية منذ أبريل 2023. ورغم أن السعودية والإمارات جزء من المجموعة الرباعية التي تقود جهود الوساطة الدبلوماسية، إلا أن الحرب استمرت بلا هوادة. وقد اتهم خبراء أمميون وأعضاء في الكونغرس الأميركي الإمارات برعاية “قوات الدعم السريع” التي تخوض قتالاً ضد الجيش السوداني، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي بشدة.
وفقاً لمصدر خليجي نقلت عنه وكالة “رويترز”، فإن التصعيد الأخير في اليمن جاء نتيجة “تصور خاطئ” نتج عن محادثات جرت في واشنطن في نوفمبر الماضي بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحرب في السودان. شعر المسؤولون الإماراتيون بالغضب بعد تلقيهم “معلومات مضللة” مفادها أن الأمير محمد بن سلمان لم يطلب فرض مزيد من العقوبات على “قوات الدعم السريع” فحسب، بل طالب أيضاً بفرض عقوبات مباشرة على الإمارات لدعمها المزعوم لهذه القوات. هذا الانطباع الخاطئ، بحسب المصدر، أدى إلى التصعيد في اليمن.
جذور الخلاف وتداعياته المحتملة
يؤكد خبراء أن العلاقات بين البلدين لم تكن سهلة على الإطلاق، لكن الخلاف بلغ أشُده منذ سنوات، متجلياً في ملفات متعددة بدءاً من حصص النفط وصولاً إلى النفوذ الجيوسياسي. ويشير نيل كويليام، الزميل المشارك في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، إلى أن “حدة هذا التنافس اشتدت بالتأكيد خلال العام الماضي”.
هذه الخلافات قد تعيق التوافق في الآراء حول قرارات إنتاج النفط، خاصة وأن السعودية والإمارات تستعدان للمشاركة في اجتماع “أوبك+” القادم. ورغم أن الأزمة الحالية لا تبدو مرشحة لتكرار “أزمة حصار قطر” عام 2017، التي فرضت خلالها السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً اقتصادياً على الدوحة، إلا أن الدعوات إلى “تغليب الحوار وابتكار المخارج السياسية” التي أطلقها المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، تعكس حساسية المرحلة.
في الختام، يرى الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله أن “الحلفاء يتصادمون… لكنهم يُصلحون خلافاتهم ويبنون على ما يجمعهم”، مما يشير إلى أن التوترات الحالية، رغم حدتها، قد تجد طريقها إلى الحل عبر القنوات الدبلوماسية، مع بقاء التحدي في إدارة التنافس على النفوذ والمصالح في المنطقة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







