تعتبر السياسات العمومية في مجال تدبير الثروة المائية ركيزة أساسية لتحقيق العدالة المجالية بالمغرب، حيث تسعى الدولة من خلالها إلى ضمان ولوج المواطنين إلى الماء، باعتباره حقًا دستوريًا يكفله الفصل 31 من دستور 2011. وفي هذا الإطار، جاء
البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب 2020-2027
، بهدف رفع نسبة الربط الفردي والجماعي بالماء، وتوفير هذه المادة الحيوية، خاصة في المناطق النائية التي تعاني من الجفاف وتزايد الهجرة، مما يسهم في تقليص الفوارق المجالية.
تحول في تدبير قطاع الماء: آمال وتحديات
تجسدت هذه السياسة العمومية في الانتقال من نظام التدبير المفوض، الذي كانت تتولاه شركات خاصة، إلى نموذج الشركات الجهوية المتعددة الخدمات. يهدف هذا النموذج إلى توحيد تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل ضمن شركة جهوية واحدة، مع مراعاة الخصوصيات المجالية والاستجابة لحاجيات الساكنة.
وقد شمل هذا التحول إقليم زاكورة، حيث استقبلت الساكنة هذا الانتقال بتفاؤل كبير، أملاً في وضع حد للاختلالات السابقة التي طبعت القطاع. كانت هذه الاختلالات تتجلى في الارتفاع المفرط لفواتير الماء والكهرباء، وندرة التزود بالماء، والعشوائية في التدبير، بالإضافة إلى العقوبات القاسية المفروضة على المتأخرين عن الأداء، والتي كانت في بعض الأحيان تتجاوز قيمة الفواتير الأصلية، مما اعتبره المواطنون إجحافًا صارخًا.
تاكونيت: واقع مرير بعد التحول
غير أن هذا الانتقال، وبدل أن يخفف من حدة هذه الاختلالات، زاد من تعقيد الوضع وسوئه، خاصة بجماعة تاكونيت. فقد وجدت الساكنة نفسها أمام تحديات متفاقمة:
- جودة الماء المتدنية: يشكو المواطنون من لون الماء الأصفر، ومذاقه المر، ورائحته غير الطبيعية في بعض الأحيان، لدرجة اعتباره غير صالح حتى لسقي الماشية.
- ارتفاع التسعيرة: سجل ارتفاع كبير في تسعيرة الماء، بلغت مستويات لا تتناسب مع طبيعة الاستهلاك المحدود للساكنة المحلية.
- نقص التزويد: لا تتجاوز مدة التزود بالماء ساعتين يوميًا، وبصبيب ضعيف ومتقطع، مما يضطر المواطنين إلى استعمال مضخات صغيرة لتجميع كميات محدودة من الماء.
سوء التدبير وغياب التواصل
يتجلى سوء التدبير أيضًا في غياب مكتب قار لتلقي شكايات المواطنين ومعالجتها. يُطلب من المواطنين أولًا تسديد الفواتير قبل تقديم أي شكاية، وهو ما يعجز عنه كثيرون. وفي المقابل، يؤدي أي تأخير في الأداء إلى تضخم المبالغ المستحقة بفعل الغرامات الإضافية المفروضة، مما يضع عبئًا ماليًا إضافيًا على الأسر.
تداعيات اجتماعية ومخاوف مستقبلية
يمكن القول إن هذا النمط من التدبير يمارس نوعًا من القهر والتعسف في حق المواطنين، فبدل التخفيف من معاناتهم، زاد الوضع تعقيدًا، ودفع عددًا منهم إلى تفضيل اللجوء إلى الطرق التقليدية لجلب الماء، عوض الاستفادة من برامج الربط المائي التي تراهن عليها الدولة وتؤكدها التوجيهات الملكية.
إن مجرد معاينة ميدانية بسيطة لهذا القطاع تثير الاستغراب، سواء بسبب الارتفاع الصاروخي لفواتير الماء والكهرباء، أو بسبب التدني الواضح لجودة الماء الشروب، خاصة بمركز تاكونيت. ورغم تعدد الشكايات، لم يلمس المواطنون سوى مزيد من الزيادات في التسعيرة وتراجعًا في الكمية والجودة. هذا الوضع، الذي تزامن مع فصل الشتاء، عمق مخاوف الساكنة من أن يتحول هذا المشكل، مع حلول فصل الصيف، إلى كارثة حقيقية تهدد الاستقرار الاجتماعي والمعيشي بالمنطقة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







