ودعت الساحة الفنية العالمية الممثل النيوزيلندي القدير سام نيل، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 78 عاماً في سيدني بأستراليا. جاء رحيله “مفاجئاً وغير متوقع”، وفقاً لما أعلنته عائلته، التي أكدت أنه فارق الحياة محاطاً بأحبائه، “بالكرامة التي ميزت حياته كلها”.
مسيرة فنية حافلة وتألق عالمي
امتدت مسيرة نيل الفنية لأكثر من خمسة عقود، تنوعت خلالها أدواره بين الإنتاجات الهوليوودية الضخمة والأفلام المستقلة التي نالت إشادة النقاد، بالإضافة إلى الأعمال الدرامية التلفزيونية. وقد كشف الممثل الراحل في عام 2023 عن إصابته بسرطان الغدد اللمفاوية، إلا أن عائلته أفادت بتعافيه من المرض، وأن الفحوصات التي أجراها في أبريل 2026 لم تظهر أي أثر للسرطان في جسده.
آلان غرانت: الأيقونة الخالدة في “جوراسيك بارك”
ارتبط اسم سام نيل بشكل وثيق لدى ملايين المشاهدين حول العالم بشخصية عالم الحفريات الدكتور آلان غرانت في فيلم “جوراسيك بارك” للمخرج ستيفن سبيلبرغ عام 1993. هذا الفيلم لم يصبح واحداً من أشهر أفلام المغامرات في تاريخ السينما فحسب، بل رسخ أيضاً صورة نيل كبطل يجمع بين الصلابة والهدوء والدفء، بقميصه الأزرق وقبعته المميزة، لتظل هذه الصورة محفورة في ذاكرة سينما التسعينيات.
حقق “جوراسيك بارك” إيرادات قياسية عند صدوره، ليصبح الفيلم الأعلى إيراداً في العالم آنذاك، وهو اللقب الذي احتفظ به حتى عام 1997 عندما تجاوزه فيلم “تايتانيك”. وقد عبر نيل عن دهشته من هذا الاستقبال الهائل خلال العرض الأول للفيلم. وعاد لتجسيد شخصية آلان غرانت في “جوراسيك بارك 3” عام 2001، ثم مجدداً في “جوراسيك وورلد: دومينيون” عام 2022، إلى جانب النجمين لورا ديرن وجيف غولدبلوم. كما أدى صوته للشخصية في ثلاث ألعاب فيديو مستوحاة من السلسلة الشهيرة.
تنوع الأدوار وبراعة الأداء
لم تقتصر مسيرة سام نيل على عالم الديناصورات، فقد تميز بقدرته الفائقة على أداء شخصيات متباينة ببراعة لافتة. من البطل القوي الذي يبعث على الاطمئنان إلى الشرير البارد والمثير للقلق، نجح نيل في الانتقال بسلاسة بين الأفلام التجارية ذات الميزانيات الضخمة والأعمال الفنية التي حظيت بإشادة نقدية واسعة.
من إيرلندا إلى نيوزيلندا: نشأة وبدايات فنية
ولد نايجل جون ديرموت نيل عام 1947 في مدينة أوماغ بإيرلندا الشمالية، حيث كان والده ضابطاً في فوج المشاة الملكي الإيرلندي. قضى طفولته المبكرة هناك قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا وهو في السابعة من عمره. وفي الثانية عشرة، اختار لنفسه اسم “سام” بعد أن وجد أن عدداً كبيراً من زملائه في المدرسة يحملون اسم “نايجل”، وكان يمزح لاحقاً بأن اسمه عند الولادة “أعاقه لسنوات”.
لم يكن التمثيل خياره الأول؛ فقد رفض السير على خطى والده في الجيش، وابتعد عن قطاع الضيافة الذي عملت فيه عائلته. وبعد إخفاقه في عامه الأول في دراسة القانون، اكتشف شغفه بالفن من خلال مشاركته في عروض جامعية لمسرحيتي “ماكبث” و”حلم ليلة صيف“، ليقرر بعدها خوض غمار العمل الفني.
محطات بارزة في مسيرة سام نيل
بدأ سام نيل مسيرته التمثيلية خلال دراسته في جامعة كانتربري، وحقق انطلاقته الحقيقية في نيوزيلندا بفيلم “Sleeping Dogs” (كلاب نائمة) عام 1977، الذي يعد من أوائل الأفلام النيوزيلندية التي وصلت إلى جمهور دولي. انتقل بعدها إلى أستراليا، حيث شارك في فيلم “My Brilliant Career” (مسيرتي الرائعة) عام 1979، والذي اعتبره نقطة تحول مكنته من العمل خارج بلاده.
خلال الثمانينيات، رسخ نيل حضوره بأدوار متنوعة، من فيلم الرعب “Possession” (استحواذ) إلى “A Cry in the Dark” (صرخة في الظلام) إلى جانب النجمة ميريل ستريب، والذي نال عنه جائزة المعهد الأسترالي للسينما لأفضل ممثل. كما ظهر مع شون كونري في فيلم “The Hunt for Red October” (مطاردة أكتوبر الأحمر) عام 1990.
بلغت شهرته ذروتها في عام 1993، بمشاركته في فيلم “The Piano” (البيانو)، الذي فاز بالسعفة الذهبية وثلاث جوائز أوسكار، بالإضافة إلى دوره في “جوراسيك بارك” الذي جعله نجماً عالمياً. وفي عام 2013، وصل إلى جيل جديد من الجمهور من خلال مسلسل “Peaky Blinders” (بيكي بلايندرز)، حيث جسد في موسميه الأولين شخصية ضابط الشرطة الفاسد تشيستر كامبل. وقد أشاد صناع المسلسل بأدائه، معتبرين أنه منح الشخصية مزيجاً فريداً من القسوة والهشاشة والجاذبية، مما أسهم في نجاح العمل منذ بدايته.
من أبرز أعماله المتأخرة فيلم “Hunt for the Wilderpeople” (مطاردة المتوحشين) عام 2016 للمخرج تايكا وايتيتي. وعلى مدار أكثر من خمسة عقود، سجل نيل أكثر من 150 مشاركة في السينما والتلفزيون، ومن المنتظر أن يعرض له بعد وفاته فيلمان عام 2027، هما “Godzilla x Kong: Supernova” (غودزيلا ضد كونغ: سوبرنوفا) و”The Last Resort” (المنتجع الأخير).
حياة بعيدة عن الأضواء وشغف بالزراعة
بعيداً عن صخب مواقع التصوير، وجد سام نيل ملاذه في مزرعته وكرومه الخاصة في نيوزيلندا، حيث بدأ إنتاج النبيذ عام 1993، وهو العام نفسه الذي شهد عرض فيلم “جوراسيك بارك”. لم يكن معنياً كثيراً بصورة نجم هوليوود، إذ كان يفضل قضاء وقته بين الحيوانات والكروم في مزرعته التي أطلق عليها اسم “تو بادوكس”.
اشتهر نيل بإطلاق أسماء مشاهير على حيواناته، وقال مازحاً ذات مرة إن تسمية دجاجة باسم ميريل ستريب يجعل أكلها أمراً مستحيلاً. كما أطلق على حيوانات أخرى أسماء مثل سوزان ساراندون وأنجيليكا هيوستن وهيلينا بونهام كارتر وغراهام نورتون وجيمس نيسبيت.
مذكرات وصراع مع المرض
في مذكراته الصادرة عام 2023 بعنوان “هل سبق أن أخبرتك بهذا؟”، كشف نيل أنه خضع في وقت سابق لاختبار أداء لتجسيد شخصية جيمس بوند، قبل أن يذهب الدور إلى تيموثي دالتون. وقال إن وكيله أصر على خوض الاختبار، رغم أنه لم يكن يرغب في أداء الشخصية، وكان يخشى أن يصبح نسخة من بوند لا يحبها الجمهور، كما لم يكن راغباً في حياة تلاحقه فيها الشهرة باستمرار. وقد أكد تقديره لقدرته على الخروج لشراء القهوة دون مطاردة المصورين، معتبراً أن احتفاظ الإنسان بحياته الخاصة أمر “لا يقدر بثمن”.
في مارس 2022، شخّص الأطباء إصابته باللمفوما اللاهودجكينية، أحد أنواع سرطان الدم. خضع للعلاج الكيميائي، ثم أعلن لاحقاً دخول المرض في مرحلة هدأة، مع حاجته إلى تلقي علاج شهري مدى الحياة. أجبره المرض على التوقف عن العمل لفترة، فاتجه إلى الكتابة بحثاً عن سبب يدفعه إلى الاستيقاظ كل صباح. وبدأ بتدوين القصص والذكريات، قبل أن تتحول تلك الصفحات إلى سيرة ذاتية تناولت مسيرته المهنية وتجربته مع المرض. وكان حريصاً على التأكيد أن الكتاب ليس “كتاباً عن السرطان”، وأنه لا يريد أن ينشغل الناس بمرضه. وقال لبي بي سي: “لست خائفاً من الموت. ما لا أريده هو أن أتوقف عن العيش، لأنني أستمتع بالحياة حقاً”. ووصف المرض بأنه “مغامرة مظلمة”، لكنه ظل يراه، رغم كل شيء، مغامرة.
تكريم وإرث فني
نال سام نيل وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1991 تقديراً لخدماته في مجال التمثيل، ثم مُنح وسام الاستحقاق النيوزيلندي عام 2007. وفي عام 2022، قَبِل لقب فارس، بعدما كان قد رفضه في السابق عند إعادة العمل بالألقاب في نيوزيلندا، مازحاً بأن إصابته بالمرض غيرت رأيه، إذ فكر، حين اعتقد أنه يحتضر، بأنه قد يرحل حاملاً اللقب.
ترك سام نيل وراءه أربعة أبناء وثمانية أحفاد، ومسيرة فنية حافلة بأدوار يصعب اختزالها في شخصية واحدة. ورغم أن آلان غرانت سيظل أشهر أدواره، فإن إرثه الأوسع يكمن في قدرته على تقديم بطولة هادئة ومقنعة، وشرّ جذاب ومقلق، وشخصيات عادية تكشف مع الوقت عن عمق يفوق ما توحي به في البداية، مما يجعله فناناً استثنائياً في تاريخ السينما العالمية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق