في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، باتت روبوتات الدردشة تشكل جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ولم يستثن هذا التطور قطاع الرعاية الصحية. فبينما يتجه ملايين الأمريكيين للاستعانة بهذه التقنيات للحصول على استشارات صحية، يجد الأطباء أنفسهم أيضًا يدمجونها في ممارساتهم بطرق قد تبدو مفاجئة للبعض.
لقد أصبحت روبوتات الدردشة الطبية المتخصصة أداة لا غنى عنها للعديد من الأطباء والمتدربين. فوفقًا لتصريحات الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات الرائدة في هذا المجال، استفاد أكثر من 100 مليون أمريكي من الرعاية الطبية التي قدمها أطباء استخدموا منصتهم العام الماضي. ومع ذلك، لا تزال روبوتات الدردشة العامة مثل “شات جي بي تي” من “أوبن إيه آي” لا تلبي المعايير المهنية المطلوبة في المجال الطبي، نظرًا لافتقارها أحيانًا للدقة والتحديث بأحدث الإرشادات السريرية. وتشدد سياسات “أوبن إيه آي” على عدم استخدام خدماتها لتقديم “نصائح مخصصة” دون استشارة مختص صحي مرخص.
الدكتورة إيدا سيم، أستاذة في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو والمتخصصة في استخدام البيانات والتكنولوجيا لتحسين الرعاية الصحية، توضح أن روبوتات الدردشة الطبية تتميز بكونها أقل عرضة لتقديم معلومات غير دقيقة، وأكثر اعتمادًا على الأبحاث المحكّمة والإرشادات السريرية، مما يفسر انتشارها “الهائل” في الأوساط الطبية.
مواكبة الأبحاث والإرشادات الطبية: تحدٍ يسهله الذكاء الاصطناعي
مع نشر ملايين الأوراق البحثية سنويًا، يواجه الأطباء تحديًا كبيرًا في مواكبة هذا الكم الهائل من المعلومات. ويشير الدكتور جاريد داشيفسكي، طبيب مقيم في كلية إيكان للطب في ماونت سايناي، إلى أن البقاء على اطلاع يتطلب حوالي 18 ساعة يوميًا. لذا، أصبحت روبوتات الدردشة الطبية أداة مرجعية حيوية لمساعدة الأطباء على البقاء محدّثين.
على عكس محركات البحث العامة، تقوم روبوتات الدردشة الطبية المتخصصة بالبحث النشط في الأدبيات الطبية، وتقدم إجابات دقيقة وملخصة ومرتبطة بأهم الدراسات والإرشادات، وفقًا للدكتور جوناثان تشين، الأستاذ المشارك في كلية الطب بجامعة ستانفورد. وتعد هذه الميزة ذات قيمة خاصة للمتدربين الذين يعملون لساعات طويلة.
التعامل مع سجلات المرضى: بين الأمان والمخاطر
بينما تتبنى بعض الأنظمة الصحية روبوتات دردشة مصرح بها لتحسين رعاية المرضى مع ضمان الأمان والخصوصية، يلجأ العديد من الأطباء إلى استخدام روبوتات غير مصرح بها، تُعرف بـ”الذكاء الاصطناعي الظلي”. ورغم أن بعض هذه الأنظمة تدعي التوافق مع قانون HIPAA الأمريكي لحماية المعلومات الصحية، إلا أن إيلينا بيترز، المحامية المتخصصة في الرعاية الصحية، تحذر من أن هذا الادعاء قد يكون مضللاً. وتؤكد أن مصطلح “الامتثال لـ HIPAA” يجب أن يُستخدم فقط من قبل الجهات التنظيمية الحكومية.
وتشير الدكتورة كارولين كوفمان وزملاؤها إلى أن تحميل معلومات المرضى إلى روبوتات غير مصرح بها يشكل خطرًا حقيقيًا على خصوصية البيانات، وقد يفتح الباب لاستغلالها. وتؤكد كوفمان أنها لم تقم أبدًا برفع معلومات محمية إلى روبوت غير معتمد، مشددة على أن “البيانات تعني المال”، وأن هذا السلوك يمثل خطرًا واضحًا على المريض والمؤسسة الطبية.
صياغة الملاحظات الطبية وكتابة رسائل شركات التأمين
تساهم روبوتات الدردشة بشكل كبير في تخفيف الأعباء الإدارية عن الأطباء، والتي قد تستغرق نحو 9 ساعات أسبوعيًا وتكلف قطاع التأمين حوالي 26.7 مليار دولار سنويًا. فقد أصبحت هذه الروبوتات تساعد الأطباء في إعداد ملخصات لزيارات المرضى والإقامات الطويلة في المستشفى، مما يعزز تتبع حالة المريض والتواصل الفعال بين فريق الرعاية.
يقول الدكتور داشيفسكي: “قد يكون من الأكثر أمانًا أن يراجع الذكاء الاصطناعي مسار العلاج بالكامل، بدلًا من أن يحاول الإنسان، مع ضيق الوقت، جمع التفاصيل”. كما أصبحت الرسائل التي يكتبها الذكاء الاصطناعي لشركات التأمين “تغييرًا جذريًا”، مما يسرع من التعامل مع طلبات المرضى. ويضيف داشيفسكي: “كنت أحتاج لمعرفة تفاصيل المريض وكتابة الرسالة بنفسي ومراجعتها، وكان ذلك يستغرق وقتًا طويلاً. الآن، الذكاء الاصطناعي ينتج رسالة جيدة جدًا”.
المساعدة في التشخيص وإنشاء قائمة بالاحتمالات
عندما يأتي المرضى بشكاوى، يتوجب على الأطباء تحديد التشخيصات المحتملة. وهنا، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا مساعدًا، حيث يستخدم العديد من طلاب الطب هذه الروبوتات للمساعدة في بناء قائمة بالتشخيصات المحتملة. يوضح إيفان باتيل، طالب طب: “كطالب، ترى أشياء كثيرة لأول مرة، والذكاء الاصطناعي يساعدني على فهم الاحتمالات”. وتضيف الدكتورة كوفمان أن دقة النتائج تكون أعلى عند إدراج جميع بيانات المريض، مثل نتائج التحاليل والصور.
نصائح للمرضى: أسئلة جوهرية لطبيبك
يؤكد جميع الأطباء والمتدربين الذين تحدثت إليهم شبكة CNN أنهم يستخدمون روبوتات الذكاء الاصطناعي الطبية بانتظام، وينظرون إليها بإيجابية كوسيلة لتخفيف العبء الذهني والإداري. ومع ذلك، تبقى مخاوف الخصوصية مشروعة. لذا، يُنصح المرضى بطرح الأسئلة التالية على أطبائهم:
- كيف تستخدم روبوتات الذكاء الاصطناعي لتحسين رعايتي؟
- ما أنواع هذه الروبوتات التي تستخدمها، وهل هي معتمدة؟
- هل يتم إدخال معلوماتي الصحية الشخصية في هذه الأنظمة، وكيف يتم حمايتها؟
- كيف تتحقق من دقة المعلومات الصادرة عن هذه الروبوتات؟
- هل توافق عادةً على إجاباتها أم تشكك فيها؟
وتحذر الدكتورة كوفمان من أن الأخطاء واردة وقد تكون المعلومات غير دقيقة، مشيرة إلى أن الزملاء “نادراً ما يتفقون” مع إجابات الذكاء الاصطناعي عند طلب آراء ثانية. ويضيف الدكتور تشين: “الناس يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كأنه سحر، لكنه ليس كذلك”، موضحًا أن طرح نفس السؤال 10 مرات قد ينتج 10 إجابات مختلفة، مما يبرز محدودياته.
وتختتم الدكتورة سيم بالقول إن الطب يعمل على ثلاث طبقات: سير العمل، والمعرفة، والخبرة. وقد غيّر الذكاء الاصطناعي أول طبقتين، لكن الطبقة الأخيرة، وهي الأهم في رعاية المرضى، يصعب استنساخها. وتضيف: “إذا كان كل ما نفعله هو تطبيق الإرشادات، فيمكن استبدالنا. لكن الطب هو تطبيق المعرفة على حالات متغيرة في سياق حياة الناس. وهذه الآلات لا تفعل ذلك”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق