دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) –
حصد المصور المصري محمد مهدي جائزة مرموقة ضمن مسابقة World Press Photo 2026 عن مشروعه الفوتوغرافي “غبار القمر”. هذا الإنجاز يأتي بعد منافسة عالمية شارك فيها 3,747 مصورًا من مختلف أنحاء العالم، وتوج منها 42 فائزًا فقط عبر فئات متعددة. ويُعد هذا الفوز الثاني لمهدي في المسابقة، بعد أن نال تقديرًا سابقًا في عام 2023 عن مشروعه “هنا لا تعرفني الأبواب”.
“غبار القمر”: توثيق لمعاناة بيئية وإنسانية
فاز مشروع “غبار القمر” ضمن فئة المشاريع طويلة الأمد في منطقة إفريقيا. يركز المشروع على توثيق الحياة اليومية في منطقة وادي القمر الواقعة غرب الإسكندرية، حيث يقطن أكثر من 30 ألف نسمة على بُعد 15 مترًا فقط من مصنع للإسمنت. هذه المنطقة، التي تحمل اسمًا شاعريًا، تعاني من واقع قاسٍ حيث تغطيها طبقات كثيفة من الغبار السام الناتج عن المصنع الذي يعتمد على حرق الفحم والنفايات الصناعية. وقد أدت هذه الظروف البيئية القاسية إلى انتشار واسع لأمراض الجهاز التنفسي، وولادة أطفال يعانون من الربو، ومعاناة عائلات بأضرار رئوية دائمة.
(Credit: Mohamed Mahdy)
رؤية المصور: تعايش وتوثيق للكرامة الإنسانية
أوضح المصور محمد مهدي أن احتكاكه المستمر بسكان وادي القمر، الذين يعانون من أمراض تنفسية، دفعه إلى إعادة تقييم علاقته بالصورة والقصة التي يوثقها. هذه التجربة، بحسب مهدي، تجاوزت حدود العمل التصويري التقليدي لتتحول إلى عملية تعلم يومية عميقة، حيث وجد نفسه في مقارنة دائمة بين حياته وحياة من يصورهم.
وأكد مهدي، في حوار مع CNN بالعربية، أن المصور، مهما كانت نواياه صادقة، لا يمكنه استيعاب عمق أي مشروع بشكل كامل دون قضاء وقت كافٍ في تفاصيله اليومية ومعايشة الواقع كما يعيشه السكان أنفسهم. لقد أصبح الإسمنت، في وادي القمر، ليس مجرد مادة بناء، بل جزءًا لا يتجزأ من النسيج اليومي للحياة، يرافق السكان في أفراحهم وأحزانهم، وفي طعامهم وكل جوانب وجودهم.
(Credit: Mohamed Mahdy)
لغة بصرية تعكس الواقع الصادق
انعكس هذا الإدراك العميق على اللغة البصرية للمشروع، حيث اختار مهدي استخدام الأبيض والأسود ليعبر عن قسوة الواقع وصدقه في آن واحد. وشدد على أن توثيق المعاناة لا ينبغي أن يقتصر على إظهار الألم فحسب، بل يجب أن يركز على التفاصيل الإنسانية للحياة اليومية، كونها الأكثر صدقًا وقربًا من الناس. ومثال على ذلك، صورة امرأة تقوم بتلصيق أوراق على شقوق جدران منزلها المتضررة من اهتزازات المصنع المجاور.
(Credit: Mohamed Mahdy)
بناء الثقة: مفتاح الولوج إلى القصص الإنسانية
أشار مهدي إلى أن خبرته الطويلة كمصور شوارع قبل الشروع في هذا المشروع كانت حاسمة في بناء جسور الثقة مع العائلات، مما مكنه من توثيق لحظات شديدة الحساسية. فقد تعلم أن المشاعر الصادقة لا تولدها الكاميرا، بل تنبع من الشخص الذي يقف خلفها، وتظل الكاميرا مجرد أداة لنقل الإحساس وتوثيق التجربة. وأوضح أن النظرة السطحية قد تكون خادعة، فالحقيقة الحقيقية لا تُرى من بعيد، بل تُفهم من خلال روايات الناس أنفسهم عن معاناتهم وتجاربهم. لهذا السبب، اختار مهدي العيش مع إحدى العائلات لفترة، ليتعمق في يومياتها ويشاركها تفاصيلها، قبل أن يتعرف من خلالها على جيرانهم.
مع ترسيخ الثقة مع العائلة الأولى، أصبح بناء العلاقات مع عائلات أخرى أكثر يسرًا، وتحول المشروع تدريجيًا إلى شبكة غنية من القصص الإنسانية المبنية على الثقة والاحترام المتبادل. وفي سعيه لنقل قسوة الواقع الصحي للسكان، أكد مهدي أن التحدي الأكبر لم يكن في مجرد إظهار المعاناة، بل في تقديمها بلغة بصرية تحافظ على كرامة الأفراد، وتتجنب تحويل آلامهم إلى مشاهد صادمة أو مهينة. بل سعى لتقديمهم كأشخاص أقوياء يواجهون ظروفًا قاسية ويصرون على الاستمرار في حياتهم، لا مجرد ضحايا للمرض.
(Credit: Mohamed Mahdy)
أحمد: أحلام طفولة في ظل قيود المرض
استحضر مهدي قصة مؤثرة لطفل يدعى أحمد، وُلد مصابًا بالربو منذ أيامه الأولى، ليصبح المرض جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية وخياراته منذ نعومة أظفاره. روى مهدي كيف كان أحمد يكيّف أحلامه وأنشطته لتتناسب مع حدود صحته؛ ففي كرة القدم، كان يفضل مركز حارس المرمى لتجنب الجري والإجهاد، وعند رغبته في تعلم الموسيقى، كان يتجه نحو الآلات التي لا تتطلب النفخ، حيث كانت قدرته على التنفس تفرض عليه قيودًا مستمرة. ولعل الجانب الأكثر قسوة في هذه التجربة هو اضطرار البعض لمغادرة موطنهم بحثًا عن العلاج، وهو خيار صعب ومكلف في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها المنطقة.
(Credit: Mohamed Mahdy)
رسالة المشروع: دعوة للتوازن والمسؤولية المشتركة
أكد محمد مهدي أن الهدف من مشروعه يتجاوز حدود الصورة الفوتوغرافية، ليتحول إلى مبادرة إنسانية ذات أثر ملموس. ومن هذا المنطلق، أقيم معرض في عام 2018 خُصصت عائداته لدعم سكان وادي القمر. وتتمثل الرسالة الجوهرية التي يسعى مهدي لإيصالها في أن قضية هؤلاء السكان ليست صراعًا مع الجانب الاقتصادي أو العاملين في المصنع، بل هي دعوة ملحة لإيجاد توازن عادل بين متطلبات العمل وحق الناس في العيش ضمن بيئة صحية وآمنة. يدعو مهدي إلى تحمل المسؤولية المشتركة وفتح قنوات الحوار بين جميع الأطراف المعنية، معربًا عن أمله في أن يسهم هذا المشروع في إطلاق مبادرات حقيقية تعزز الصحة والبيئة وحقوق الإنسان، وتعيد للسكان حقهم في حياة كريمة.
(Credit: Mohamed Mahdy)
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق