في تطورات إقليمية متسارعة، يُنظر إلى حركة الاستيطان الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية على أنها لا تمثل تحديًا للفلسطينيين فحسب، بل تشكل أيضًا خطرًا جسيمًا على استقرار المملكة الأردنية الهاشمية. ورغم تأكيدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للملك عبد الله الثاني وقادة عرب ومسلمين في سبتمبر الماضي بأن إسرائيل لن تضم الضفة الغربية خلال فترة رئاسته، إلا أنه لم يقدم ضمانات لوقف التوسع الاستيطاني المستمر.
تآكل حل الدولتين وتصاعد التوترات
يعتبر حلفاء واشنطن العرب أن هذا التوسع الاستيطاني يقوض تدريجيًا إمكانية تحقيق حل الدولتين، الذي لطالما شكل حجر الزاوية في السياسات الأمريكية والأوروبية والعربية على مدى ربع قرن. وحتى في خضم الحروب الإقليمية، استمر التوسع الاستيطاني بلا هوادة. ويجد الأردن نفسه في صلب هذه المخاوف، نظرًا لقربه الجغرافي من الضفة الغربية والروابط العميقة بين سكانه والفلسطينيين، مما يجعل سياسات الاستيطان تؤثر عليه بشكل مباشر أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة. ومع ذلك، لا توجد مؤشرات واضحة على اهتمام جدي بهذا الأمر في واشنطن.
تتواصل أعمال عنف المستوطنين في التصاعد. ووفقًا لمنظمة “يش دين” الحقوقية الإسرائيلية، سُجل ما لا يقل عن 257 حادثة عنف أو مضايقة من قبل المستوطنين في أنحاء الضفة الغربية خلال أول 25 يومًا فقط من حرب إيران (2026). وفي خطوة أخرى، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على إجراءات تسمح للإسرائيليين بشراء الأراضي في الضفة الغربية بقيود محدودة للغاية، كما تحرك لسحب صلاحيات من السلطة الفلسطينية في أجزاء من الضفة، وهي خطوات تُفسر على نطاق واسع بأنها تمهيد لضم فعلي. وقد جاء رد الفعل في واشنطن باهتًا، حيث أعاد الرئيس ترامب التأكيد على معارضته للضم، لكن دون تغيير ملموس في الواقع على الأرض.
الضم الزاحف وتحديات الأردن
تكمن المشكلة الرئيسية بالنسبة للأردن في أن هذا الضم الزاحف يقضي على أي فرص لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، مما يضع القضية مباشرة على عتبة عمّان. لقد شهدت الديناميكيات الإقليمية تحولًا جذريًا منذ هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023. ولم يعد معظم الإسرائيليين ينظرون إلى الفلسطينيين كشركاء محتملين للسلام، وأصبحت معادلة “الأرض مقابل السلام” – التي كانت تستند إلى عملية عادلة وقرارات الأمم المتحدة – شيئًا من الماضي. تسعى إسرائيل اليوم إلى فرض الاستقرار عبر الهيمنة الأمنية بدلًا من المصالحة، كما يتضح في الصراعات في غزة ولبنان وإيران، وكذلك في الضم الفعلي لأجزاء من الأراضي السورية. هذه هي البيئة المعقدة التي يواجهها الأردن حاليًا.
أما الدبلوماسية الأمريكية، فقد أصبحت قائمة على الصفقات، وغير متوقعة، وتغلب عليها المصالح التجارية. وتراجعت ثقة حكومات المنطقة في قدرة واشنطن على أداء دور الوسيط إلى أدنى مستوياتها، حيث أصبحت المصالح الإسرائيلية في المقدمة، بينما باتت دول الخليج الغنية بالنفط الشريك المفضل للرئيس ترامب.
الضفة الغربية: خط أحمر أردني
بالنسبة لصناع القرار الأمريكيين، قد تبدو الضفة الغربية، التي خسرها الأردن لصالح إسرائيل في حرب عام 1967، مجرد قضية ضمن قضايا عديدة على أجندة إقليمية مزدحمة. أما بالنسبة للأردن، فهي مسألة مختلفة تمامًا: إنها خط مواجهة حيوي. ويحذر مسؤولون أردنيون من أن الضم، الذي يبدو احتمالا قويًا، قد يطلق سلسلة من التفاعلات ذات تداعيات مباشرة على المملكة. ويواصل الأردن، شأنه شأن بقية الدول العربية، دعم حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، لكنه يظل مقيدًا بسبب غياب توافق على استراتيجية سلام واضحة داخل السلطة الفلسطينية المنقسمة والمثقلة بالفساد.
صرح مسؤول أردني كبير بأن “الأردن لا يستطيع أن يفعل الكثير بمفرده. نحن بحاجة إلى دعم عربي، مع الضغط على واشنطن لفهم حجم التهديد الذي يشكله ذلك على إسرائيل نفسها، وعلى حلفائها.” وفي صلب هذه المخاوف يكمن القلق من أن الضم لن يتوقف عند الحدود الحالية، بل سيعيد رسمها. ويصف مسؤولون وسياسيون أردنيون استراتيجية إسرائيلية متعمدة تهدف إلى توسيع سيطرتها على منطقتي “ب” و”ج” في الضفة الغربية، مع عزل المدن الفلسطينية الرئيسية الست في المنطقة “أ” وتحويلها إلى جيوب منفصلة.
ويؤكد مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق والسفير لدى إسرائيل والولايات المتحدة، أن هذه الخطة بدأت تتشكل بالفعل. وبموجب هذا النموذج، سيحتفظ الفلسطينيون بحكم ذاتي محدود في هذه المدن ضمن كيان منزوع السلاح، مع بقاء السيطرة العامة على الحدود والمجال الجوي بيد إسرائيل. ويضيف المعشر: “لن يكون هذا ترتيبًا دائمًا، بل حلًا مؤقتًا إلى أن تتمكن إسرائيل من طرد الفلسطينيين بطريقة أو بأخرى”.
سيناريو التهجير القسري: كابوس الأردن
بالنسبة للأردن، يُعد هذا السيناريو الأكثر خطورة، إذ يغذيه الخطاب التوسعي لليمين المتطرف في إسرائيل، الذي يدعو منذ فترة طويلة إلى فكرة أن “الأردن هو فلسطين”. ويُشكل عدد كبير من سكان الأردن، الذين يتجاوز عددهم سبعة ملايين نسمة، من أصول فلسطينية، وقد لجأوا إلى المملكة خلال حربي 1948 و1967. ويطالب كثير من اللاجئين بحق العودة إلى ديارهم و/أو التعويض. ووصف مسؤول كبير “أسوأ السيناريوهات” بأنه يتمثل في دفع 350 ألفًا من الأردنيين الذين يحملون الجنسية الكاملة ويقيمون في الضفة الغربية إلى عبور نهر الأردن. ومن شأن مثل هذا التهجير أن يضع ضغطًا هائلًا على الاقتصاد الأردني الهش بالفعل، وعلى بنيته التحتية وتوازنه السياسي.
وعلق مسؤول عربي رفيع قائلًا: “من مصلحة إسرائيل أن يظل الأردن دولة مستقرة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن الوثوق بالإسرائيليين، فإنهم يدركون أنهم لا يستطيعون تسليم الأردن للفلسطينيين، إلا إذا أرادوا خلق فوضى ستتجاوز حدودهم الأطول مع دولة عربية.”
مقترح “نموذج غزة” للضفة الغربية: حلول مؤقتة ومخاطر محتملة
يزيد من حالة عدم اليقين الحديث عن مقترح مدعوم من الولايات المتحدة يُتداول في الأوساط العربية الرسمية، ويهدف إلى تكرار ما يُسمى “نموذج غزة” في الضفة الغربية. وهذا يعني إدارة تحت إشراف أميركي، مع ضمانات أمنية من قوى إقليمية، وسيطرة إسرائيل على جميع الحدود والمعابر. وسيتم تشكيل لجنة تكنوقراطية مستقلة عن حركتي حماس وفتح للإشراف على الحكم والخدمات العامة في معظم مناطق “أ” التي تخضع حاليًا لسلطة محمود عباس الفلسطينية غير الفعالة، على أن تدعمها شرطة محلية وتخضع لرقابة قوة الاستقرار الدولية بقيادة الولايات المتحدة. وسيتم دمج اللجنتين لاحقًا في هيئة وزارية مع رئيس منتخب يتم اختياره عبر اقتراع حر من قبل الشعب. وستظل القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية، مع لجنة متعددة الأديان لإدارة المواقع المقدسة. ومن المفترض أن تنتهي العملية خلال عامين – بالتزامن مع مغادرة ترامب. ويعمل المفاوضون جاهدين لوضع أكبر عدد ممكن من المبادئ. لكن، كما هو الحال مع العديد من الخطط في الشرق الأوسط، قد لا تقبلها إسرائيل أو القيادة الفلسطينية، وقد تنهار بين عشية وضحاها.
خيارات الأردن المحدودة والمخاطر المتصاعدة
تُقيد قدرة الأردن على الرد على التهديدات الإسرائيلية باتفاقية السلام الموقعة عام 1994، والتي تتعرض الآن لضغوط، خاصة بعد أن فقد الملك عبد الله الثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نتيجة تجارب سابقة. ويواجه الأردن معادلة صعبة: فمواجهة إسرائيل قد تعرّض علاقته بواشنطن والغرب للخطر. ويبحث الأردن في مجموعة من الخيارات، لا يخلو أي منها من المخاطر. إذ يعمل على حشد الدعم العربي من خلال تصوير الضفة الغربية كقضية أمن قومي عربي جماعي، وليس مجرد تحدٍ للمملكة.
وعلى الصعيد الداخلي، تشمل الإجراءات المطروحة تشديد الرقابة على الحدود لمنع تدفق السكان، وترسيخ فك الارتباط الذي أعلنه الأردن عام 1988 مع الضفة الغربية، لإزالة أي غموض بشأن مسؤوليته تجاه الفلسطينيين في الضفة، وكثير منهم يحملون وثائق سفر أردنية دون أن يكونوا مواطنين. وقد واصلت الأسرة الهاشمية في الأردن تمويل صيانة المسجد الأقصى في القدس. وتعترف المعاهدة بوصاية الأردن على الموقع إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن وضع الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعدها يحتفظ الأردن بدور خاص. كما يُطرح استخدام معاهدة السلام نفسها كورقة ضغط، عبر اللجوء إلى المحاكم الدولية لمحاسبة إسرائيل على أي خرق يتعلق بالتهجير القسري. لكن هذا النهج ينطوي على مخاطر واضحة.
وهم الاستقرار وتأجيل الصراع
يرى مسؤولون أردنيون أن السياسات الأمريكية والإسرائيلية الحالية لا تحل الصراع ولا تفتح الباب أمام سلام أوسع وتطبيع اقتصادي، بل تؤجله فقط. وقال أحد المسؤولين: “إنهم يكتفون بتناول الأسبرين”، في إشارة إلى إدارة الأزمة بدلًا من حلها. “يحاول الأردن شرح مخاطر الضم على المملكة للإدارة الأميركية.”
ومن وجهة نظر عمّان، فإن سياسات واشنطن شجعت المزيد من السياسات الإسرائيلية العدوانية على الأرض وفي المنطقة، حيث لم يعد معظم السكان يؤمنون بإمكانية السلام مع إسرائيل. ويعتقد المسؤولون أنه بمجرد انحسار النزاعات الإقليمية الحالية، سيتحول الاهتمام مجددًا إلى الضفة الغربية. ويحذرون أن الأوان قد يكون فات عندها لعكس الوقائع التي تم فرضها على الأرض. ويعمل الأردن بشكل متزايد على توجيه رسائله ليس فقط إلى البيت الأبيض، بل إلى أطراف دولية أوسع.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق