في ظل انشغال عالمي بقضايا كبرى، ظلت الصومال لسنوات عديدة تعاني من تحديات داخلية معقدة، تتراوح بين النزعات الانفصالية، ونشاط التنظيمات الإرهابية، إلى جانب الفقر والجفاف. غير أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” كدولة مستقلة، في خطوة مفاجئة، أعاد تحريك المياه الراكدة في المنطقة، وأشعل فتيل أزمة دبلوماسية واسعة، كان لمصر فيها دور محوري.
تحرك دبلوماسي مصري حاسم لمواجهة الاعتراف
على إثر هذا الإعلان، سارعت القاهرة إلى قيادة تحرك دبلوماسي مكثف. فقد أجرى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، سلسلة اتصالات عاجلة مع نظرائه في الصومال وتركيا وجيبوتي، أفضت جميعها إلى رفض قاطع للاعتراف الإسرائيلي. ولم يقتصر الدور المصري على ذلك، بل قادت القاهرة جهوداً دبلوماسية أثمرت عن بيان مشترك وقّعت عليه 20 دولة، بالإضافة إلى منظمة التعاون الإسلامي، أعرب عن رفضه التام للخطوة الإسرائيلية، وربطها بأي مخططات محتملة لتهجير الفلسطينيين. كما طالبت مصر بعقد جلسة طارئة لمجلس السلم والأمن الأفريقي لبحث التداعيات الخطيرة لهذا الاعتراف، مؤكدة على الأهمية الاستراتيجية والجغرافية للصومال وعمق التعاون العسكري والاقتصادي القائم بين البلدين.
تحذيرات صومالية ودولية من تداعيات القرار
خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، أكد مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، إيهاب عوض، أن إعلان إسرائيل الاعتراف بـ”أرض الصومال” يمثل سابقة خطيرة وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واعتداءً مباشراً على وحدة الصومال وسلامة أراضيه. وحذر عوض من أن مثل هذه الخطوات تهدد السلم والأمن الدوليين وتتعارض مع مبادئ الاتحاد الأفريقي.
من جانبه، شدد وزير الإعلام والثقافة والسياحة الصومالي، داود أويس جامع، في تصريح لموقع “الحرة”، على أن الاعتراف الإسرائيلي باستقلال “أرض الصومال” يعد هجوماً مباشراً على سيادة الصومال، ومن شأنه أن يقوض الأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وخليج عدن. وأوضح الوزير الصومالي أن هذه الخطوة قد تعزز نشاط التنظيمات الإرهابية مثل “داعش” و”الشباب”، وتشجع الحركات الانفصالية حول العالم، مما يشكل تهديداً أوسع للاستقرار العالمي. كما حذر من احتمال تعطيل حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، مؤكداً رفض بلاده الشديد للقرار الإسرائيلي الذي وصفه بـ”المتهور”، لما قد يحمله من تداعيات خطيرة تؤدي إلى استدراج الصراعات الخارجية إلى الداخل الصومالي.
مخاوف مصرية: أبعاد استراتيجية وأمنية
تتجاوز المخاوف المصرية من الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” البعد الدبلوماسي لتلامس أبعاداً استراتيجية وأمنية عميقة. يوضح رامي زهدي، خبير الشؤون الأفريقية، في حديثه لـ”الحرة”، أن التخوفات المصرية تتحرك ضمن ثلاث دوائر رئيسة:
- الدائرة الأولى: تتعلق بإيجاد سابقة خطيرة لشرعنة الانفصال بالقوة أو بالدعم الخارجي، مما قد يشجع حركات انفصالية أخرى داخل القارة الأفريقية.
- الدائرة الثانية: تتصل بمحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي على نحو يضر بالمصالح العربية والأفريقية، ويشكل ضغطاً غير مباشر على الأمن القومي المصري.
- الدائرة الثالثة: تتمثل في القلق من تحول الإقليم إلى منصة نفوذ أمني أو استخباراتي أو عسكري لقوى خارجية، مما يعقد المشهد الأمني المحيط بمصر من جهتي الجنوب والشرق معاً.
من جهته، يرى الدكتور حسن شيخ علي نور، أستاذ الدراسات الأمنية بمقديشو، أن توقيت الاعتراف الإسرائيلي ليس سوى محاولة لتصدير الأزمات الداخلية الإسرائيلية إلى الخارج، مؤكداً أن أي تدخل إسرائيلي في أمن البحر الأحمر يشكل تهديداً مباشراً للملاحة الدولية ويعرقل حركة التجارة العالمية.
الأهمية الاستراتيجية للصومال وعمق العلاقات مع مصر
تكتسب الصومال أهمية قصوى بالنسبة للقاهرة نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، فهي تشترك في حدود مع إثيوبيا، التي تتواصل خلافاتها مع مصر حول سد النهضة، وتمتلك سواحل طويلة على خليج عدن، فضلاً عن قربها من المضائق والممرات المائية الحيوية. ويأتي هذا في سياق تعاون مصري-صومالي متنامٍ، حيث وقّع البلدان في أغسطس 2024 بروتوكول تعاون عسكري يهدف إلى “تدعيم قدرات الدولة الصومالية ومؤسساتها الوطنية، لحفظ الأمن والاستقرار ومكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة”. كما يمتد التعاون الاقتصادي بينهما ليشمل مجالات التجارة والصحة والنقل.
يؤكد زهدي أن “أي وجود أمني أو استخباراتي إسرائيلي محتمل في أرض الصومال يعني عملياً الاقتراب من باب المندب، أحد أهم محاور الأمن الملاحي العالمي، بما يمس بشكل مباشر الأمن القومي المصري والعربي، وربما الأمن العالمي أيضاً”. ويضيف أن “التهديد لا يقتصر على حركة الملاحة أو قناة السويس فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوة البحرية وخلق نقاط ضغط جديدة يمكن توظيفها سياسياً أو أمنياً في أوقات التوتر”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







