صورة لأستاذ العلوم السياسية أحمد بوز يتحدث عن نتائج الانتخابات المغربية
السياسة

الانتخابات المغربية: العزوف يكتسح والشرعية السياسية على المحك

حصة
حصة
Pinterest Hidden

“حزب المقاطعين” يفوز بالرهان: تحليل أستاذ العلوم السياسية أحمد بوز لنتائج الانتخابات

في قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات الأخيرة، أكد الأستاذ أحمد بوز، المتخصص في العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “حزب المقاطعين” كان الفاعل الأبرز والرابح الأكبر في هذا الاستحقاق. وأوضح بوز أن ضعف نسبة المشاركة الانتخابية أفرز نتائج، رغم مشروعيتها القانونية، إلا أنها تفتقر إلى القدر الكافي من الشرعية السياسية المطلوبة لتجسيد إرادة شعبية واسعة.

استمرارية المشهد السياسي وتحدي العزوف

خلال استضافته في برنامج “نبض العمق” على منصات “العمق المغربي”، أشار الأستاذ بوز إلى أن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية لم تشهد تحولاً جذرياً في المشهد السياسي العام، بل كشفت عن استمرارية لملامح الخريطة السابقة. غير أن المعطى الأساسي الذي برز بقوة هو تراجع نسبة المشاركة، وهو ما وصفه بوز بـ “اكتساح” لحزب المقاطعين.

قراءة في ترتيب الأحزاب الفائزة

لم يشكل تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج مفاجأة كبيرة، وفقاً لبوز، نظراً لمشاركته في الأغلبية الحكومية السابقة إلى جانب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال. وقد توقع العديد من المحللين بقاء هذه الأحزاب في صدارة المشهد.

وفيما يخص عودة حزب العدالة والتنمية، اعتبر بوز أن تقدمه لم يكن مفاجئاً بالكامل، رغم أن حجم المقاعد التي حصل عليها تجاوز بعض التقديرات الأولية (التي تراوحت بين 30 و40 مقعداً). وأكد أن الهدف الأهم للحزب كان تحقيق تقدم واضح مقارنة بنتائج انتخابات 2021، وهو ما يُعد مكسباً سياسياً في حد ذاته.

كما لفت الأستاذ بوز الانتباه إلى النتائج اللافتة وغير المتوقعة لتحالف اليسار. ورأى أن نتائج العدالة والتنمية وتحالف اليسار قد تشير إلى وجود “تصويت سياسي” و”تصويت عقابي” من قبل الناخبين، وذلك إلى جانب أنماط التصويت التقليدية المرتبطة بالمعطيات الاجتماعية والسوسيولوجية.

أزمة “انقطاع التيار” بين المواطن والسياسة

على الرغم من التغيرات في ترتيب الأحزاب، شدد بوز على أن الإشكال الأعمق الذي يواجه الحياة السياسية المغربية يكمن في استمرار “انقطاع التيار بين الناخبين والمواطنين، وبين العمل السياسي المؤسساتي والمؤسسات المنتخبة”. واعتبر هذا الوضع أزمة حقيقية، وصفها أحد الباحثين بأنها قد تكون “أخطر من أزمة 2007″، نظراً لمستوى المشاركة الانتخابية المتدني واتساع الفجوة بين المواطنين وصناديق الاقتراع.

أسباب العزوف: مسؤولية مشتركة

في تحليله لأسباب هذا العزوف، أقر بوز بأن المعارضة يحق لها أن تربط جزءاً من هذه الظاهرة بطريقة تدبير الحكومة للسنوات الخمس الماضية، خاصة في ظل قضايا الفساد المرتبطة بمنتخبين وارتفاع الأسعار وتأثيرها على النقاش العمومي.

لكنه في المقابل، رفض تحميل الأغلبية وحدها مسؤولية تعميق العزوف، مشيراً إلى أن المعارضة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام مطالبون أيضاً بالتساؤل عن مدى نجاح المعارضة في تقديم عرض سياسي وخطاب مقنعين قادرين على استقطاب المواطنين للمشاركة. وأضاف أن عدم قدرة المعارضة على جذب الناخبين قد ساهم في استمرارية الوضع السياسي الحالي، مما يكرس “نمطية ورتابة” في الحياة السياسية، مؤكداً أن المغرب كان بحاجة إلى “رجة” أو “صدمة سياسية” بعد انتخابات 2021، وقد جاءت هذه “الصدمة” من زاوية العزوف.

الشرعية السياسية في مواجهة المشروعية القانونية

ميز بوز بوضوح بين “المشروعية” و”الشرعية السياسية”. فالنتائج الانتخابية، رغم كونها مشروعة قانونياً، إلا أن ضعف المشاركة يطرح تساؤلات جدية حول مدى تمتعها بالشرعية السياسية الكافية. ودعا إلى عمل جماعي يضم الدولة، الطبقة السياسية، المجتمع، ووسائل الإعلام لإعادة بناء جسور الثقة بين المواطنين والأحزاب والعملية الانتخابية.

وشدد على أهمية إقناع المواطنين بجدوى الأحزاب السياسية والانتخابات، مؤكداً أن الحياة السياسية المغربية يجب أن تُدار بالطبقة السياسية الوطنية الموجودة، وليس بالاعتماد على نماذج مستوردة. كما حث المواطنين على استغلال قوة المشاركة لتغيير المعطيات المتعلقة بالحياة الحزبية والترشيحات.

مسؤولية المجتمع وتأثير العوامل السوسيولوجية

لم يعف الأستاذ بوز المجتمع من المسؤولية، معتبراً أنه لا يجد حرجاً في مساءلة المواطنين، وإن كانت المسؤولية الأكبر تقع على عاتق النخبة السياسية. وأشار إلى أن قبول بعض الناخبين التصويت مقابل “مغريات مادية مباشرة” أو “الرشوة السياسية والانتخابية” يجعلهم “جزءاً من الأزمة وليس حلاً لها”.

وفيما يتعلق بالعوامل المؤثرة في النتائج، أوضح بوز أن البرامج والاختيارات السياسية كانت حاضرة، خاصة في سباق الأحزاب لتقديم الوعود والأرقام، لكنه نبه إلى أن هذه الوعود لم تكن دائماً واقعية التنفيذ. وأكد أن السياسة كان لها تأثير معين في النتائج، سواء من خلال ردود الفعل على أداء الأغلبية أو تراجع بعض مكوناتها، أو عبر تفسير نتائج العدالة والتنمية وأحزاب المعارضة.

ومع ذلك، أكد بوز أن الانتخابات المغربية لا تزال تتأثر بشكل كبير بالمعطيات السوسيولوجية، مستدلاً باستمرار الدور المحوري للعالم القروي في تحديد مخرجات العملية الانتخابية، وتأثير الدوائر الانتخابية الصغيرة (مقعدين أو ثلاثة) في ترتيب الأحزاب. وأشار إلى أن الأحزاب التي تعتمد على “التصويت السياسي” حققت أفضل نتائجها في الدوائر الكبرى (أربعة إلى ستة مقاعد)، بينما تراجعت في الدوائر الأصغر المرتبطة بالمجالات القروية.

وختاماً، أكد بوز أن السياسة والبرامج لم تغب عن الانتخابات، لكن العوامل السوسيولوجية تظل ذات تأثير بالغ، مما يفسر استمرارية العديد من ملامح المشهد السياسي السابق رغم التغيرات الظاهرية التي أفرزتها النتائج الأخيرة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *