خريطة الشرق الأوسط تبرز لبنان وتركيا وإيران وإسرائيل، تعكس ديناميكيات القوى الإقليمية المتغيرة.
السياسة

لبنان في قلب التحولات الإقليمية: صعود الدور التركي وتراجع النفوذ الإيراني

حصة
حصة
Pinterest Hidden

مقدمة: لبنان في مفترق طرق إقليمي

لم يعد المشهد اللبناني محصوراً في تساؤلات حول القوى المتراجعة، بل بات يركز على اللاعبين الجدد الذين يتقدمون لملء الفراغ. ففي ظل تراجع النفوذ الإيراني، وبروز الدور التركي، واستعادة المملكة العربية السعودية لحضورها، وتحول سوريا من ممر استراتيجي لطهران إلى ساحة نفوذ لأنقرة، يدخل لبنان مرحلة جديدة تتسم بإعادة رسم موازين القوى. هذه التحولات تجري تحت سقف أميركي، وفي مواجهة مباشرة لمحاولات إسرائيل فرض وقائع عسكرية وحدود أمنية دائمة.

تراجع النفوذ الإيراني: فراغ يتشكل

منذ انسحاب الجيش السوري في 26 نيسان 2005، ملأت إيران جزءاً من الفراغ في لبنان، معتمدة على قوة سلاح «حزب الله» وقدرته على التأثير في المؤسسات اللبنانية وفي قراري الحرب والسلم. وبذلك، تحول لبنان إلى الحلقة الأخيرة في محور إقليمي يمتد من طهران، مروراً بالعراق وسوريا، وصولاً إلى بيروت. إلا أن هذا المحور تلقى ضربات قاسية مؤخراً، أبرزها سقوط نظام بشار الأسد، مما أدى إلى قطع طريق الإمداد البرية الحيوية إلى «حزب الله». وتزامنت هذه التطورات مع استهداف مكثف لبنية الحزب القيادية والعسكرية، ومقتل أمينه العام السابق حسن نصرالله وعدد من قادة الصفين الأول والثاني، بالتوازي مع ضربات استهدفت القيادة الإيرانية والحرس الثوري.

لا تعني هذه التحولات خروج إيران بشكل كامل من الساحة اللبنانية، لكنها بلا شك تقلص من قدرتها على التحكم بالقرار اللبناني بشكل مباشر.

صعود الدور التركي: استراتيجية جديدة

سوريا: من ممر إيراني إلى بوابة تركية

في هذا السياق، تتحرك تركيا لتملأ الفراغ المتشكل، باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر استعداداً لاستثمار هذه المتغيرات. تستند أنقرة في تحركاتها إلى نفوذها المتزايد في سوريا، وعلاقاتها المتينة مع واشنطن والرياض، وقدرتها على التواصل مع أطراف عربية ودولية متباينة. وقد منح وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق تركيا عمقاً استراتيجياً غير مسبوق، محولاً سوريا من جسر لطهران إلى «حزب الله» إلى بوابة تركيا نحو لبنان.

تفاهمات إقليمية ودولية

عكست الزيارات الرسمية لرئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى أنقرة إدراكاً لبنانياً رسمياً بأن الدور التركي أصبح عنصراً لا يمكن تجاوزه في المعادلة الإقليمية. وفي موازاة ذلك، أظهرت اللقاءات بين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان، والاتصالات الأميركية التركية مع الشرع، أن صعود أنقرة يتحرك ضمن هامش ترسمه التفاهمات الأميركية الأوسع.

المشروع التركي: احتواء إيران ومواجهة إسرائيل

وفقاً لمصادر دبلوماسية مطلعة، تعمل تركيا على بلورة مشروع إقليمي يهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني ومواجهة التمدد الإسرائيلي المتسارع منذ السابع من تشرين الأول 2023. وتنطلق الرؤية التركية من اعتبار سوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية ساحات مترابطة، وأن نتائج الصراع فيها ستحدد شكل الشرق الأوسط المستقبلي.

مفهوم الأمن القومي التركي الموسع

في جوهر المقاربة التركية، لا يقتصر أمن أنقرة على حدودها الجنوبية في هاتاي، بل يمتد ليشمل حلب ودمشق وبيروت. هذا التوسع في مفهوم الأمن القومي يهدف إلى منع قيام حزام نفوذ إسرائيلي يمتد من غزة إلى جنوب لبنان وسوريا.

أولويات المبادرة التركية

تضع المبادرة التركية الانسحاب الإسرائيلي من غزة والأراضي المحتلة في لبنان وسوريا ضمن أولوياتها القصوى، بالتوازي مع استعادة الدول المعنية لسلطتها وحصر السلاح بمؤسساتها الشرعية. تربط أنقرة بين هذين المسارين لمنع إسرائيل من استخدام سلاح الفصائل ذريعة لتثبيت احتلالها، وفي الوقت ذاته، منع التنظيمات المسلحة من توظيف الاحتلال مبرراً للاحتفاظ بترساناتها وقرارها المستقل.

المنافسة التركية-الإسرائيلية في المنطقة

هنا تتبلور المنافسة بين تركيا وإسرائيل. فأنقرة تسعى لترجمة نفوذها السوري إلى حضور سياسي وأمني فاعل في بيروت، من خلال المساعدات والزيارات العسكرية والدبلوماسية. في المقابل، تعمل إسرائيل، وفقاً للمصادر ذاتها، على إبعاد تركيا عن جنوب سوريا ولبنان، وترفض مشاركتها كقوة بديلة لقوات «اليونيفيل»، خشية تمركز الجيش التركي قبالة مستوطناتها الشمالية.

شراكة عربية وقبول لبناني

تدرك أنقرة أن تثبيت هذا الحضور يتطلب شراكة عربية قوية، لا سيما مع المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى قبول لبناني لا يمنحها وصاية جديدة، بل دوراً مساعداً في إعادة بناء التوازن ودعم مؤسسات الدولة والجيش، ومنع عودة الممر الإيراني إلى بيروت مجدداً. وهذا ما يجعل لبنان محوراً متقدماً في حسابات تركيا الإقليمية المستقبلية.

الرهان التركي الأبعد: إطار إقليمي للمفاوضات

يتمثل الرهان التركي الأبعد في إنشاء إطار إقليمي منسق لأي مفاوضات مستقبلية مع تل أبيب. ويهدف هذا الإطار إلى تجنب إبقاء لبنان وسوريا والفلسطينيين أسرى مسارات تفاوضية منفصلة تستفيد إسرائيل من اختلال موازين القوى فيها. وتتقاطع هذه الرؤية، في القراءة السياسية، مع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مما يمنح التحرك التركي عمقاً سياسياً وعسكرياً، دون إلغاء الدور الأميركي في ضبط حدود اللاعبين الإقليميين.

تحدي لبنان: استعادة السيادة أم تبديل الوصاية؟

أمام هذا المشهد المعقد، يقف لبنان على مفترق طرق حاسم بين فرصة استعادة الدولة وخطر استبدال نفوذ بآخر. فتراجع النفوذ الإيراني لا يعني بالضرورة استعادة السيادة تلقائياً، كما أن التقدم التركي لا يشكل ضمانة مجانية. الاختبار الحقيقي لا يكمن في هوية القوة التي تملأ الفراغ، بل في قدرة اللبنانيين أنفسهم على منع أي قوة خارجية من امتلاك قرارهم الوطني. فإذا انتهت هذه التحولات بانسحاب إسرائيل وحصر السلاح بيد الدولة واستقلال المؤسسات، تكون بيروت قد حولت لحظة الانكسار الإقليمي إلى فرصة تاريخية حقيقية. أما إذا اقتصرت النتائج على مجرد تبديل الرعاة وإعادة توزيع النفوذ، فسيبقى لبنان ساحة تتغير فوقها الرايات، بينما تظل الدولة اللبنانية هي الغائب الأكبر.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *