في لحظة تتزايد فيها حدة الانتقادات المهنية والشعبية، لم يعد النقاش الدائر داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة (SNRT) مقتصراً على جودة المحتوى الإعلامي، بل تحول إلى مؤشر على أزمة هيكلية عميقة في الحكامة والتدبير. وفي هذا السياق، كشف مصدر مطلع من داخل المؤسسة، مدفوعاً بحرصه على المرفق العمومي وصون المال العام، أن التغييرات المرتقبة، مع تزايد الحديث عن قرب مغادرة فيصل العرايشي لمنصبه، ليست مجرد حدث عابر، بل هي حصيلة مسار شهد اختلالات متراكمة تحت وطأة التحولات الرقمية وتراجع تأثير الإعلام التقليدي، مقابل تصاعد غير مسبوق لمطالب الإصلاح.
تغييرات مرتقبة وامتصاص للاحتقان الداخلي
وفقاً للمصدر ذاته، فإن ما يُروج بشأن هذه التغييرات يعكس محاولة لاستيعاب حالة احتقان داخلي متنامية، في ظل تزايد الانتقادات الموجهة لضعف الحكامة وتراجع الأداء العام داخل المؤسسة. ويصف المصدر هذه المرحلة بأنها “إعادة ترتيب” أكثر منها مجرد تغيير إداري روتيني.
مسؤول “بلا مهام” وتكاليف باهظة
في سياق متصل، كشف المصدر عن معطيات مقلقة تتعلق بمنطق التدبير داخل القناة الأولى، مشيراً إلى أن الخلل لم يعد يقتصر على المحتوى، بل امتد ليشمل آليات اتخاذ القرار والتسيير. وأبرز المصدر حالة مسؤول تم تعيينه على رأس مديرية البرامج الثقافية بالمديرية المركزية للإنتاج والبث في أكتوبر 2024، لكنه ظل لما يقارب سنة ونصف “مديراً بلا مهام”، دون أي تفويض قانوني للتوقيع أو ممارسة اختصاصات فعلية.
خلال هذه الفترة، تقاضى المسؤول راتباً شهرياً يقارب 40 ألف درهم، بالإضافة إلى منحة سنوية تصل إلى 200 ألف درهم، ما رفع الكلفة الإجمالية التي تحملتها مالية الـSNRT إلى ما يفوق 950 ألف درهم سنوياً، دون تسجيل أي مردودية مهنية تُذكر، حسب تأكيد المصدر.
توقيت التفويض يثير التساؤلات
ولم يُمنح تفويض التوقيع للمسؤول المعني إلا بعد حلول قضاة المجلس الأعلى للحسابات، وهو توقيت يثير العديد من التساؤلات حول كونه إجراءً متأخراً لتدارك وضع إداري غير سليم، أكثر من كونه قراراً مبنياً على النجاعة أو الحاجة الفعلية.
حصيلة مهنية محدودة ومشاريع معلقة
وعلى صعيد الحصيلة المهنية، أكد المصدر أنها ظلت محدودة، مستشهداً بمشروع برنامج ثقافي بعنوان “رؤى من التاريخ”، الذي خُصصت له إمكانيات تقنية كبيرة، بما في ذلك وحدة نقل تلفزيوني ثقيلة وتجهيزات متطورة. ورغم ذلك، تم طي المشروع بعد إنتاج حلقة نموذجية واحدة تم التخلي عنها بقرار إداري، وفقاً للمعطيات.
وأعرب المصدر عن استغرابه لغياب أي مساءلة في هذا الملف، رغم التكاليف المرتبطة به، معتبراً أن هذه الحالات تثير تساؤلات جدية حول معايير التقييم والمحاسبة داخل المؤسسة، خاصة في ظل ما وصفه بـ”ازدواجية واضحة” في التعامل مع الملفات المشابهة.
شبهات “الزبونية والمحسوبية”
وفي سياق أوسع، أشار المصدر إلى أن هذه الوقائع لا تبدو معزولة، بل تعكس ممارسات مرتبطة بـ”الزبونية والمحسوبية” داخل المديرية المركزية للإنتاج والبث. وتتجلى هذه الممارسات، حسب المصدر، في مراحل إعداد البرامج وتنفيذها وبرمجتها، حيث يتم إنجاز بعض الأعمال وتركها حبيسة الرفوف لسنوات، بينما تُبث برامج أخرى بسرعة، مما يثير علامات استفهام حول المعايير المعتمدة في الاختيار والبرمجة.
وأضاف المصدر أن بعض شركات الإنتاج تحظى بحضور متكرر في عدد من المشاريع، في ظل وجود تقاطعات مصالح وعلاقات قربى مع محيط بعض المسؤولين، وهو ما يطرح تساؤلات حول شفافية مساطر الإسناد وتكافؤ الفرص داخل المؤسسة.
واختتم المصدر تصريحه بالتأكيد على أن الهدف من كشف هذه المعطيات هو دق ناقوس الخطر من داخل المؤسسة، أملاً في معالجة هذه الاختلالات التي تمس تدبير المال العام ومصداقية مرفق إعلامي حيوي يفترض أن يكون في خدمة المواطنين، لا رهينة لمنطق الامتيازات والمصالح الضيقة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق