تركيا في عين العاصفة: تداعيات الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني على أنقرة
بقلم: هيلكن دوغاتش بوران، بي بي سي نيوز تركي، إسطنبول
تاريخ النشر: 3 مارس/ آذار 2026
تتسع رقعة الدمار ويرتفع عدد الضحايا في الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط إثر هجوم شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وتواصلت بضربات انتقامية إيرانية. وقد استهدفت إيران والمجموعات المتحالفة معها قواعد عسكرية وبنى تحتية مدنية في الكويت والسعودية وعمان والبحرين وقطر والأردن والإمارات والعراق – وهي دول تستضيف قواعد أمريكية – إضافة إلى قاعدة بريطانية في قبرص. وفي نزاعٍ طالت أهدافه مناطق تمتد من جوار تركيا إلى شبه الجزيرة العربية، بقيت تركيا من بين الدول القليلة التي لم تسمع فيها صفارات الإنذار.
عضوية الناتو والعلاقات الثنائية: حصانة تركيا في وجه التصعيد
يرى خبراء تحدثوا إلى بي بي سي نيوز تركي أن استضافة تركيا لقوات أمريكية لم يجعلها هدفاً للهجمات الإيرانية، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو). يؤكد سنان أولغن، رئيس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية (EDAM)، أن عضوية تركيا في الناتو هي العامل الحاسم الذي يميزها عن الدول الأخرى المستهدفة في المنطقة. وأوضح أولغن أن أي هجوم على تركيا سيُصنف ضمن إطار المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على أن الاعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، ما يستدعي تفعيل آلية الدفاع الجماعي. وبناءً عليه، يرى أولغن أن إيران ستتجنب استهداف القواعد الأمريكية في تركيا، حرصاً منها على عدم توسيع نطاق النزاع وفتح جبهة إضافية ضد دولة ذات قدرة ردع عسكرية عالية.
بالإضافة إلى ذلك، يشير الخبراء إلى أن طبيعة العلاقات بين أنقرة وطهران تقلص احتمالات تعرض تركيا لضربات انتقامية. الباحث أورال توغا من مركز الدراسات الإيرانية (İRAM) يرى أن احتمال استهداف تركيا ضعيف للغاية، مؤكداً أن طهران لن تسعى لتعقيد المشهد بفتح جبهة ضد دولة عضو في الناتو. ويضيف توغا أن تركيا وإيران، اللتين تتشاركان حدوداً بطول 534 كيلومتراً، تربطهما علاقات “اعتماد متبادل”، وأن الإيرانيين، خاصة بعد وفاة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، يسعون لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع تركيا، وهو مسار لا يتوقع أن يتغير.
موقف أنقرة الدبلوماسي الرافض للتصعيد
في المقابل، وجهت أنقرة انتقادات واضحة للهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك للرد الإيراني. وقد أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 28 فبراير/شباط أن بلاده ستكثف تحركاتها الدبلوماسية، محذراً من أن “إذا لم يسد التعقل والحكمة، وإذا لم يفسح المجال أمام الدبلوماسية، فإن منطقتنا تواجه خطر الانجرار إلى حلقة من النار”. هذا الموقف يعكس سعي تركيا للحفاظ على حيادها ودورها كوسيط محتمل في الأزمة.
قاعدتا إنجرليك وكورجيك: السيادة التركية والضوابط التشغيلية
أكدت تركيا رسمياً أن مجالها الجوي والقواعد الواقعة على أراضيها، والتي تستضيف قوات أمريكية، لم تستخدم في الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. وجاء في بيان صادر عن مركز مكافحة التضليل الإعلامي التابع للرئاسة التركية بتاريخ 28 فبراير/شباط، أن أنقرة لا تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أصولها ذات الصلة “لأغراض عملياتية” في “أي نزاع أو حرب ليست طرفاً فيها”. كما نفى المركز في بيان لاحق بتاريخ 2 مارس/آذار المزاعم بشأن تعرض قاعدة إنجرليك لضربة، مؤكداً أن “لا توجد في تركيا أي قواعد عسكرية تعود ملكيتها لدولة أجنبية. إن المجال الجوي والبري والبحري لجمهورية تركيا، إلى جانب منشآتها العسكرية، يخضع بالكامل لسيادتها وسيطرتها. ولا يوجد أي هجوم يستهدف بلادنا”.
تعدّ قاعدتا إنجرليك الجوية في أضنة وقاعدة كورجيك الرادارية في ملاطيا أبرز المنشآت العسكرية المرتبطة بالوجود الأمريكي في تركيا. تأسست قاعدة إنجرليك عام 1951، ويتم تشغيلها بموجب “اتفاقية التعاون الدفاعي والاقتصادي” الموقعة بين الولايات المتحدة وتركيا عام 1980، وتخضع لقيادة القوات المسلحة التركية. أما قاعدة كورجيك، التي أُنشئت عام 2012، فهي منشأة إنذار مبكر تعمل ضمن إطار حلف الناتو، ومهمتها نقل بيانات رصد التهديدات الجوية إلى منظومة الدفاع الصاروخي “ثاد” في رومانيا وبولندا. وقد واجهت هذه القاعدة انتقادات إيرانية سابقة، حيث اعتبرها الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد أنها تأسست لحماية إسرائيل. كما شهدت القاعدتان احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، للمطالبة بإغلاقهما.
تحدي اللجوء المحتمل: سيناريوهات وتوقعات
من بين التداعيات المحتملة للحرب على تركيا، يبرز احتمال تدفق اللاجئين باتجاه حدودها مع إيران. وقد أعلنت أنقرة وطهران في 2 مارس/آذار تعليق حركة عبور الركاب عبر الحدود بشكل متبادل، مع السماح بعودة مواطنيهما، فيما ستبقي تركيا أبوابها مفتوحة أمام رعايا دول ثالثة الموجودين حالياً في إيران.
يرى سنان أولغن أن أسوأ سيناريو يتمثل في انفلات الاستقرار داخل إيران، ما قد يؤدي إلى حركة نزوح واسعة نحو الحدود التركية، على غرار ما حدث في العراق وسوريا. واعتبر أن تشديد الإجراءات على الحدود يمثل خطوة تحسباً لهذا الاحتمال. في المقابل، يشير أورال توغا إلى أن إيران ستركز حالياً على إدارة الوضع الداخلي بدلاً من الانشغال بضبط حركة العبور. ويستبعد توغا حدوث “أزمة هجرة جماعية” في المدى القريب أو المتوسط، مؤكداً أن ذلك يتطلب اندلاع حرب أهلية، وهو ما لا تتوافر مؤشراته حالياً، بل هناك حالة من التماسك الداخلي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق