مقدمة: جدلية الفلسفة والكتاب العزيز في فكر العروي
في إطار سلسلة تأملات حول “عقيدة لزمن الشؤم”، تستعرض هذه الحلقة الثالثة عشرة رؤية المفكر المغربي عبد الله العروي حول العلاقة بين الفلسفة والكتاب العزيز، وكيف يمكن الاستفادة من تراكمات الفلاسفة الميتافيزيقية، رغم انتقاداته الحادة لهم.
نقد العروي للفلسفة التقليدية
لطالما انتقد العروي الفلاسفة التقليديين، واصفًا إياهم بالغُموض رغم ادعائهم الوضوح، وبالسطحية رغم اعتقادهم بالعمق. فالفيلسوف، في نظره، هو من “يسود الصفحات لا ليعقل شاردة بل لكي لا يخلص إلى بداهة (..) يخلص إلى تفاهة” (السنة والإصلاح ص14). يدعو العروي إلى فلسفة جديدة تعيد النظر في تاريخ الفلسفة الموروث، الذي ظل فيه الفيلسوف “مشغولا بالنقل والترجمة، فلم يسأل نفسه إلا في فترة جد متأخرة: وماذا كان قبل الإغريق، ذاك الذي لم يذكروه قط وضمنوه فقط؟” (السنة والإصلاح ص15).
تساؤلات محورية لتاريخ فلسفي جديد
يرى العروي أن أي تاريخ جديد للفلسفة يجب أن يرتكز على تساؤلين أساسيين:
- تأثير اكتشاف الكتابة واللغات السامية على نشأة الفلسفة الإغريقية.
- مدى أسبقية الفلسفة الإنسية لما يسميه بـ “السجل الهلليستيني”، أي الفلسفة المدرسية السقراطية التي تُرجمت عبر اليونانية واللاتينية والسريانية ثم العربية، وصولاً إلى العبرية واللاتينية مجددًا.
يعتبر العروي هذا السجل المتناقل عبر وسائط ولغات متعددة مجرد “مساجلة مع الأشباح”، لم يتبق منها سوى قصص وخيالات حول الكون والإنسان، لا تحمل نفعًا يُذكر باستثناء المنطق. ويشدد على أن الفلسفة لم تنفصل يومًا عن الثيولوجيا والسياسة (السنة والإصلاح ص16).
الكتاب العزيز: المنطلق الأصيل
بناءً على ما سبق، يرى العروي أن الفلسفة والكلام (الثيولوجيا) لا تصلحان إلا للاستئناس فحسب. أما الفهم الأصيل للكتاب العزيز، فيتطلب التفاعل المباشر معه. هذا المنهج يقود العروي إلى محطته الأولى: التجربة الإبراهيمية في الكتاب، بما هي وعد وذاكرة وتوبة ونداء.
تجربة إبراهيم: نموذج للتحرر والوعد
يُقدم العروي إبراهيم كـ “ابن الحضارة المارق”، الذي هجرها سعيًا للتحرر من قيودها وأغلالها. لم يختر إبراهيم الإقامة قريبًا منها أو بعيدًا عنها، ولا اتخذ مسكنًا داخلها أو خارجها، بل فضل البقاء على هامش حافتها. فإبراهيم، الخليل، “يعرف عنها ما يحاكمها به. يعلم منها ما يكفيه ليقاومها بأسلحتها، العقلية والوجدانية” (السنة والإصلاح ص54). ويؤكد العروي أن التغيير الحقيقي لا ينبع إلا من هوامش المركز ذاته، لا من خارجه أو داخله.
دعاء إبراهيم وعقيدة التوحيد: ترياق لزمن الشؤم
يتوقف العروي مطولًا عند دعاء إبراهيم، الذي يمثل خاتمة حقبة طويلة، “آثارها مبثوثة في الكلمات، في العبارات والتشبيهات، في القصص والأمثال”. كما يمثل هذا الدعاء، بالنسبة لمُعرب “دين الفطرة”، نداءً وجوابًا، ونقطة التقاء للثقافات المتوسطية (السنة والإصلاح ص59).
لقد رفع إبراهيم نداءه بحثًا عن مخرج من الخيبة والقلق واليأس الذي استشرى في الأرض، بعد أن “تحقق الناس أن كثرة الأرباب وتعدد الآلهة لا يضمن أمنًا ولا استقرارًا”. جاء الجواب ككشف عما لم يتحقق منذ عهود: “ها الواحد الأحد، الدائم المتعالي، من لا يشاهد إلا في آياته ولا يسمى إلا بصفات أفعاله، والذي، رغم كل هذا، هو دائمًا حاضر معنا، قريب منا، حافظ لنا، معتن بنا، سميع مجيب، كريم مفضال، ها هو يجود علينا به منا وإكرامًا، الآن وإلى الأبد. وفي الحين ينتفي القلق وتذهب الحيرة” (السنة والإصلاح ص62). لم يكن المخرج الذي اهتدى إليه إبراهيم لمعالجة الداء الذي أصاب الحضارة والإنسان في زمنه سوى ترياق عقيدة التوحيد.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








