مقدمة: ثروات معلقة وآمال مؤجلة
ليست كل الثروات التي تكتشف في باطن الأرض تتحول إلى قيمة مضافة على سطحها. ففي بعض الأحيان، يظل الكنز علمياً خالصاً، موثقاً في الدراسات والأبحاث، لكنه يبقى معلقاً في الواقع، عاجزاً عن إحداث الأثر التنموي المنشود في محيطه المباشر. هذه المفارقة هي التي تلخص قصة ديناصور تزوضى، اكتشاف علمي استثنائي كان من الممكن أن يشكل نقطة تحول في مسار التنمية المحلية، لكنه تحول مع مرور الزمن إلى عنوان لانتظار طويل وأسئلة معلقة.
اكتشاف تاريخي وحلم تنموي
منذ عام 1998، حين تم اكتشاف بقايا الديناصور المعروف علمياً باسم Tazoudasaurus بمنطقة تزوضى التابعة لجماعة إمي نولاون بإقليم ورزازات، تبلور حلم كبير لدى الساكنة المحلية بأن يتحول هذا الاكتشاف إلى نقطة تحول تاريخية في مسار التنمية. لم يكن الأمر يتعلق بمجرد حدث علمي عابر، بل باكتشاف يعود إلى العصر الجوراسي المبكر، وضع المنطقة على الخريطة الأكاديمية الدولية، وفتح أمامها أفقاً واعداً في مجال السياحة العلمية والثقافية.
متحف قائم… وديناصور غائب
تم تشييد بناية المتحف منذ سنوات طويلة، غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الديناصور نفسه لم يعد إلى موطنه، ولم يُفتتح المتحف أمام العموم. ظلت الذرائع تتكرر عبر الزمن، من قبيل ضرورة إدخال تعديلات على البناية أو مراجعة السينوغرافيا أو تحسين شروط العرض. لكن في منطق تدبير المشاريع، لا يمكن أن تتحول التحسينات التقنية إلى مبرر لتعليق الافتتاح لعشرات السنين. فالمتاحف عبر العالم تُفتتح ثم تُطور، ولا تُؤجل إلى ما لا نهاية بحثاً عن الصيغة المثالية.
تأثير محدود وبنية تحتية ضعيفة
طوال هذه السنوات، لم ينعكس المشروع على المنطقة إلا في حدود ضيقة، لا تتجاوز بضعة أيام عمل استفاد منها بعض أبناء المنطقة أثناء أشغال البناء. أما الأثر الاقتصادي المستدام، وفرص الشغل القارة، وجاذبية السياحة العلمية، فظلت مؤجلة. المنطقة في المقابل تعاني من ضعف بنيات الاستقبال، سواء من حيث الطرق المعبدة المؤدية إلى الموقع، أو الفنادق المصنفة، أو المطاعم، أو محطات الوقود، أو الشبابيك البنكية، خاصة في المراكز القروية المجاورة مثل توندوت وإمي نولاون، ما يجعل أي مشروع سياحي غير مدعوم ببنية تحتية ملائمة عرضة للتعثر.
مسؤولية متعددة المستويات وحكامة غائبة
المسؤولية هنا متعددة المستويات. أولها غياب رؤية استراتيجية واضحة منذ البداية، حيث تم التعامل مع الاكتشاف كملف علمي أكثر منه مشروعاً تنموياً ترابياً مهيكلاً. لم يتم وضع إطار حكامة مستقل، ولا جدول زمني ملزم، ولا ميزانية تشغيل سنوية قارة تضمن الاستمرارية. ومع تشتت المسؤوليات بين عدة متدخلين، أصبح المشروع رهين الاجتماعات والتصريحات دون قرار حاسم.
ثانيها دور الفاعلين الترابيين. فمجلس جهة درعة تافيلالت، بحكم اختصاصاته في التنمية الاقتصادية والسياحية، كان يفترض أن يدمج المتحف ضمن مخططه الجهوي باعتباره رافعة ثقافية مهيكلة، غير أن المشروع لم يتحول إلى أولوية استراتيجية واضحة. أما الجماعة الترابية إمي نولاون، فقد ظلت لسنوات طويلة لا تعطي الملف الأهمية اللازمة ضمن أجندتها، قبل أن تظهر تحركات أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، وإن كانت متأخرة مقارنة بحجم الزمن الضائع. كما أن التحركات الأخيرة التي يقودها المجلس الإقليمي، رغم أهميتها، تبقى محدودة إذا لم تُترجم إلى مقاربة شمولية تشرك جميع المتدخلين بشكل رسمي ومنظم، من اللجنة العلمية ووزارة الثقافة، إلى وزارة الطاقة والمعادن، إلى الجهة، وباقي الفاعلين المعنيين. دون هذا التنسيق، يظل كل تحرك جزئياً، وغير قادر على كسر حلقة التأجيل.
جيوبارك مكون: نموذج وطني ناجح
على سبيل المقارنة، تبرز تجربة جيوبارك مكون كنموذج وطني ناجح في تثمين التراث الجيولوجي. هذا المنتزه المصنف ضمن الشبكة العالمية لليونسكو لم يقف عند حدود الاعتراف الرمزي، بل قام على حكامة واضحة، ومجلس توجيه وتتبع، ولجنة علمية، وهيكلة إدارية، وميزانية تشغيل سنوية قارّة بلغت 1.8 مليون درهم، كما تشير معطيات تقرير سنة 2019. وتم ربط الجيولوجيا بالسياحة والاقتصاد الاجتماعي، ودعم التعاونيات، وتنظيم التظاهرات الرياضية، وبرامج التربية البيئية، والتعاون الدولي. الفرق الجوهري لم يكن في قيمة الصخور أو المواقع، بل في المنهجية والقرار.
نحو مسار جيولوجي أطلسي موحد
انطلاقاً من هذه المقارنة، يصبح التفكير في شراكة مع القائمين على تجربة أزيلال خطوة منطقية. لماذا لا يتم عقد اتفاقية تعاون مع مسؤولي جيوبارك مكون بأزيلال ومع جهة بني ملال، للاستفادة من خبرتهم في الحكامة والتسيير والسينوغرافيا والترويج؟ بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك عبر تصور مسار جيولوجي عابر للأطلس الكبير، يربط بين السفوح الشمالية الغربية والسفوح الجنوبية الشرقية، خاصة أن المسافة بين تزوضى وموقع جيوبارك مكون لا تتعدى 139 كيلومتراً، وكلاهما ينتمي إلى المجال الطبيعي نفسه المرتبط بجبل مكون. هذا المسار يمكن أن يشمل أيضاً منطقة تنغير، في سفوح الأطلس الكبير، حيث توجد مواقع تعود إلى أقدم آثار الديناصورات، خاصة بمنطقة اسيل نايت العربي التي عرفت اكتشافات سنة 2010. إدماج هذه المواقع ضمن شبكة موحدة من شأنه أن يحول الأطلس الكبير إلى فضاء جيولوجي متكامل، لا إلى مواقع معزولة إدارياً. فالديناصورات لا تعترف بالحدود الجهوية، والتاريخ الجيولوجي لا يتوقف عند خطوط الخرائط.
خاتمة: دعوة إلى الإرادة المؤسسية
ما ينقص اليوم ليس المؤهلات، بل الإرادة المؤسسية التي توحد الجهود، وتحدد المسؤوليات، وترصد الميزانيات، وتعلن جدولاً زمنياً نهائياً لافتتاح المتحف. إن استمرار التأجيل بعد بناء البناية لعشرات السنوات لا يمكن أن يبرر تقنياً فقط، بل يعكس خللاً في الحكامة. ديناصور تزوضى لم يفقد قيمته العلمية، والمنطقة لم تفقد مؤهلاتها. لكن الزمن في التنمية ليس تفصيلاً، وكل سنة تمر دون استثمار هذا المورد هي خسارة مضاعفة. الحل ليس في مزيد من الاجتماعات المعزولة، بل في قرار شجاع يجمع وزارة الثقافة، ووزارة الطاقة والمعادن، وجهة درعة تافيلالت، والجماعة، والمجلس الإقليمي، ضمن إطار تنسيقي ملزم، ويفتح الباب أمام شراكات عابرة للجهات في إطار مسار جيولوجي أطلسي موحد. عندها فقط يمكن أن يتحول حلم التنمية المؤجل إلى واقع، ويعود الديناصور إلى متحفه، لا كقطعة معروضة فحسب، بل كرمز لانتصار الإرادة المؤسسية على ثقافة التأجيل.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








