صورة من مسلسل بنات لالة منانة تظهر شخصية ترتدي الخمار الأسود
ثقافة وفنون

الخمار الأسود في ‘بنات لالة منانة’: جدل الهوية والدين يتصاعد على الشاشة المغربية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

أثار مشهد الخمار الأسود في الجزء الثالث من مسلسل “بنات لالة منانة” نقاشاً مجتمعياً واسعاً، تجاوز حدود العمل الدرامي ليلامس قضايا جوهرية تتعلق باللباس والهوية الدينية والثقافية في المغرب. هذا المشهد، الذي جمع الفنانتين نورا الصقلي وسامية أقريو وهما تطلبان من ابنة الأخيرة خلع الخمار الأسود واستبداله بالجلابة أو الحايك المغربي التقليدي، لم يُفسر كحدث درامي فحسب، بل حُمّل دلالات رمزية وسياسية عميقة، مما أدى إلى انقسام حاد في الآراء.

الخمار الأسود: بين السياق الدرامي والرمزية السياسية

تدور أحداث القصة حول عودة ابنة سامية أقريو، التي أدت دور فتاة وجدت نفسها أسيرة لدى تنظيم متطرف في سوريا بعد أن نقلها زوجها إلى هناك، قبل أن تتمكن من الفرار والعودة إلى المغرب. ظهورها بخمار أسود يغطي كامل جسدها شكّل لحظة مفصلية وصادمة داخل المسلسل، خاصة عند مواجهة والدتها لها بسؤال “أأنت من الإنس أم من الجن؟”، ثم مطالبتها بتغيير لباسها إلى زي مغربي تقليدي.

هذه اللقطة، التي يمكن قراءتها درامياً كامتداد طبيعي لصدمة أم تستعيد ابنتها من تجربة قاسية، تحولت على منصات التواصل الاجتماعي إلى محور جدل، حيث اعتبرها البعض دليلاً على أن العمل يمرر “رسائل مبطنة” ضد النقاب، ويربط بصرياً بين الخمار الأسود والفكر المتطرف.

قراءة أولى: ربط الخمار بالتطرف والإرهاب

انتقد العديد من المتابعين المشهد بشدة، معتبرين أن الربط بين عودة الفتاة من قبضة تنظيم إرهابي وظهورها بخمار أسود، يساهم في ترسيخ صورة نمطية تختزل لباساً دينياً في سياق التطرف. وذهب المنتقدون إلى أبعد من ذلك، مشيرين إلى أن المسلسل لا يكتفي بالسرد الفني، بل يسعى لتوجيه الرأي العام نحو رفض النقاب، وتصوير المنقبة كشخصية تثير الريبة أو الخوف.

تضمنت التدوينات المتداولة انتقادات حادة للقناة المنتجة وللفنانات المشاركات، حيث رأى البعض أن العمل يسيء لصورة المتدينات ويُقحم النقاش الديني في قالب درامي “منحاز”. كما اعتبر آخرون أن تصوير الخمار الأسود كلحظة رعب أو غرابة يُعد إساءة للباس يعتبره الكثيرون جزءاً من قناعاتهم الدينية. ولخص هذا التيار قراءته للمشهد بمعادلة رمزية خطيرة: الخمار الأسود = تجربة داعش = خوف مجتمعي.

قراءة مقابلة: ضرورة درامية وسياق ثقافي

في المقابل، دافع عدد من المتابعين عن المشهد، مؤكدين أن الحكم عليه تم بعد اجتزائه من سياقه السردي. فعودة الشخصية من منطقة نزاع، وكونها مبحوثاً عنها، يجعل تغيير لباسها مبرراً درامياً لتفادي لفت الانتباه، خاصة أن الخمار الأسود ليس شائعاً في مدينة مثل شفشاون، حيث تدور أحداث المسلسل.

وأشار المدافعون إلى أن اللباس المغربي التقليدي، كالجلابة والنقاب المحلي والحايك، كان تاريخياً ساتراً أيضاً، وأن النقاش لا يتعلق بمبدأ ستر الجسد بقدر ما يتعلق برمزية لباس معين ارتبط في الوعي الجمعي بصور العنف القادمة من مناطق الصراع. كما شددوا على أن الإحساس بالخوف الذي عبرت عنه بعض الشخصيات أو المتابعين لا يعني بالضرورة عداءً للدين، بل يعكس تفاعلاً نفسياً مع صورة غامضة تخفي الملامح في سياق أمني حساس.

الهوية المغربية: أصالة اللباس و”دخول” الأنماط

أعاد مسلسل “بنات لالة منانة” إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول مفهوم “اللباس الشرعي” في المغرب: هل يقتصر على نموذج واحد؟ وهل الخمار الأسود أو النقاب المستورد من تجارب مشرقية أو أفغانية يُعد جزءاً من الهوية المغربية؟

في هذا الصدد، رأت فئة من المعلقين في المشهد دفاعاً عن الخصوصية الثقافية المغربية، معتبرة أن الجلابة والحايك يمثلان شكلين تاريخيين للستر في المغرب، وأن استيراد أنماط لباس مرتبطة بسياقات سياسية ودينية خارجية يطرح إشكال الانتماء والهوية. في المقابل، رفض آخرون هذا الطرح، مؤكدين أن الدين عابر للثقافات، وأن اختزال النقاب في كونه “دخيلاً” يُقصي مواطنات اخترنه عن قناعة شخصية.

هل يحمل المسلسل رسائل تتجاوز الفن؟

السؤال الأعمق الذي فجره هذا الجدل هو: هل نحن أمام مشهد عابر في سياق درامي، أم أمام عمل يشتغل بوعي على تمرير رسائل تتجاوز حدود الترفيه؟

يرى البعض أن الأمر طبيعي تماماً، خصوصاً وأن العمل يرتبط باسم المنتج نبيل عيوش، المعروف باختياره لمواضيع حساسة تلامس المجتمع مباشرة. ووفق هذا الطرح، لا شيء يكتب أو يصور يكون بريئاً، فكل تفصيل محسوب، وكل رمز موضوع في مكانه لخدمة رسالة معينة.

لكن في المقابل، دعا آخرون إلى الخروج من منطق “نظرية المؤامرة” التي تحول كل مشهد إلى مشروع استهداف ممنهج للدين، والتعامل مع الدراما كمساحة مفتوحة لطرح الأسئلة، بما فيها الأسئلة الدينية، دون خوف أو وصاية. واعتبرت هذه الفئة أن تحميل مشهد واحد مسؤولية “محاربة الدين” قد يكون مبالغة تقفز فوق طبيعة العمل الفني الذي يستثمر الصدمة والتوتر الدرامي لإثارة النقاش. فالدراما بطبيعتها تستخدم الرموز القوية لتحريك المياه الراكدة، وقد يكون ما حدث دليلاً على نجاحها في ذلك، أكثر من كونه بياناً أيديولوجياً مباشراً.


للمزيد من الأخبار، زوروا

موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *