في إطار سلسلته التأملية حول “عقيدة لزمن الشؤم”، يقدم المفكر المغربي البارز عبد الله العروي قراءة معمقة لفكر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، مركزًا على مفهوم “دين الفطرة” وتداعياته على الإصلاح الديني والتربوي. هذه الحلقة الرابعة تسلط الضوء على مشروع روسو التربوي الطموح، الذي يهدف إلى صياغة إنسان جديد متحرر من قيود التقليد، ومسترشدًا بنور وجدانه الأصيل.
مشروع روسو التربوي: نحو “دين الفطرة”
يتناول العروي حركة روسو التربوية الجديدة، التي تسعى إلى إرساء إصلاح ديني لا ينفصل عن أطروحاته السياسية والاجتماعية. يمثل هذا المشروع جزءًا لا يتجزأ من رؤية تربوية شاملة، ترمي إلى بناء إنسان يستند إلى الطبع الأصيل والوجدان السليم، وهو ما عُرف بـ “التربية الجديدة” في الأدبيات الحديثة، ويُعدّ كتاب روسو الشهير “إميل” مرجعها الأساسي.
لقد تتبع روسو مسيرة “إميل” منذ ولادته وحتى زواجه، مركزًا على المتطلبات التدبيرية والتوجيهية والتربوية لكل مرحلة عمرية. وعند بلوغ الطفل سن الخامسة عشرة، يفتح روسو مع مربيه ملف العقيدة الدينية، ليس لفرض خيار عقدي معين، بل لوضع قدميه على طريق الاختيار السليم، ليتخذ قراره الاعتقادي بعقله الخاص، لا بعقول الأوصياء من مربين أو رجال دين أو فلاسفة.
“دين الفطرة”: بين الفلسفة ورجال الدين
يؤكد العروي أن الطريق السليم، في نظر روسو، هو طريق الفطرة الإنسانية الأصيلة والبريئة، الذي يقود إلى “دين الفطرة”. هذا المسار، بطبيعته، يثير غضب الفلاسفة لأنه يفضي إلى الإيمان الديني، ويتسبب في نقمة رجال الدين لأنه يتجه مباشرة إلى العقيدة الدينية في بساطتها ووضوحها، بعيدًا عن وساطاتهم الطقوسية وتعقيداتهم الكلامية. وقد عاش روسو نفسه مرارة هذه التجربة، بعدما “أدانه الفلاسفة على لسان فولتير، والكاثوليك على لسان رئيس كنيسة جنيف”، مما دفعه إلى قضاء سنواته الأخيرة “لاجئًا، وحيدًا، مشرداً، نادمًا”، وإلى تأليف أعماله الشهيرة “الاعترافات” (1770) و”جان جاك يحاكم روسو” (1776) كمحاولة لمحاسبة الذات.
يلخص العروي جوهر مقولات روسو في ثلاث عبارات محورية: “الإيمان في خدمة النفس، الدين في خدمة المجتمع، المجتمع في خدمة الفرد”. إنه الإيمان التلقائي والدين الفطري الذي ينقاد إليه الإنسان بشكل طبيعي، عندما يتحرر من كل المسبقات، سواء كانت لاهوتية متوارثة عند رجال الدين، أو مادية مقررة عند الفلاسفة. المرجع الوحيد الذي ينبغي للشاب الحائر عقديًا اعتماده، كيما ترسو سفينته على شاطئ الإيمان، هو “حكم ضميره، نور وجدانه”، بعدما يعمل على “تصفيته من شوائب الاتباع والتقليد حتى يظل بريئًا نقيًا صافيًا كما خرج إلى الوجود، وحتى ينعكس فيه مباشرة وبصدق، خطاب الصانع الأول”.
العروي والعودة المعاصرة للهم الديني
يثير العروي تساؤلاً جوهريًا حول دافعه للعودة إلى نص روسو في هذا التوقيت بالذات. وبغض النظر عن تأويلاته الشخصية لمنجزه التعريبي هذا، فإن السياق المعاصر يشهد عودة قوية إلى الدين ولجوءًا جماعيًا إلى عقيدة الإيمان. وهي ظاهرة لا يمكن أن يتجاهلها عبد الله العروي، بصفته مؤرخًا ومثقفًا ومفكرًا، سواء بالتحليل أو الترشيد أو التوجيه.
وبحكم انتمائه لمجتمع إسلامي، تهم تأملات العروي بطبيعة الحال العقيدة الدينية الإسلامية. لذلك، يسجل أن هناك “مؤشرات كثيرة على أن روسو لم يكن يحمل أي عداء مبدئي للديانة الإسلامية”، بل يرى العروي أن روسو “أدرك أن مفهوم دين الفطرة أقرب إلى عقيدة الإسلام منه إلى اليهودية أو المسيحية”.
يختتم صاحب “السنة والإصلاح” تقديمه بكلمات تعكس تفاعله الفكري وحنينه الوجداني للمنهج التربوي الديني عند روسو، بوصفه منهجًا نابعًا من ضمير فردي حر يتفاعل مع الدين الفطري، مؤكدًا أن “كلام روسو (…) ليس عن الدين بقدر ما هو عن الهم الديني. وهذا الهم عاد بعد أن غاب، وإن قدر له أن يغيب مجددًا، فهو لا محالة عائد ما دام الإنسان إنسانًا”.
للمزيد من الأخبار، زوروا
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق