أظهرت أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر تراجعًا ملحوظًا في معدل البطالة، حيث وصل إلى 6.2% خلال الربع الرابع من عام 2025. هذا الانخفاض، الذي يأتي مقارنة بـ 6.4% في الربع الثالث من العام ذاته، يشير إلى ديناميكية مستمرة في سوق العمل المصري، مع إسهام بارز من القطاع الخاص في توفير فرص الشغل.
نمو قوة العمل وتراجع أعداد المتعطلين
كشف بحث القوى العاملة عن ارتفاع حجم قوة العمل ليبلغ 34.829 مليون فرد، مقابل 34.727 مليونًا في الربع الثالث، مسجلاً زيادة بنسبة 0.3%. وقد تزامن ذلك مع ارتفاع عدد المشتغلين بمقدار 179 ألفًا، وانخفاض أعداد المتعطلين بنحو 77 ألفًا، مما أضاف صافي زيادة في قوة العمل يقدر بـ 102 ألف فرد. وتوزعت قوة العمل بين 15.193 مليون فرد في الحضر و19.636 مليونًا في الريف، بينما بلغ عدد الذكور 26.903 مليونًا والإناث 7.926 مليون فرد.
تحليل الخبراء: تحديات وفرص
علق الأستاذ هشام إبراهيم، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، على هذه الأرقام، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري، رغم التحديات الراهنة، يمتلك قدرة على خلق فرص العمل، وهو ما يعد مؤشرًا إيجابيًا في هذه المرحلة. وأكد إبراهيم على الدور المحوري للقطاع الخاص في توليد الوظائف الجديدة. ومع ذلك، دعا إلى قراءة الأرقام بحذر نظرًا لوجود حجم كبير من الاقتصاد غير الرسمي، معتبرًا أن استمرار تراجع معدل البطالة يبقى مؤشرًا جيدًا.
وأضاف إبراهيم، في تصريحات خاصة، أن التحدي لا يقتصر على توفير الوظائف فحسب، بل يمتد إلى ضرورة رفع مستويات الدخول. فما زالت شريحة من العاملين تتقاضى أجورًا تقل عن الحد الأدنى المقرر، وهو ما يتنافى مع قرارات اللجنة العليا للأجور التي تلزم القطاعين العام والخاص بتطبيق هذا الحد، مؤكدًا أن تحسين مستوى المعيشة يتطلب توفير وظائف بأجور عادلة.
فجوة البطالة بين الجنسين: أسباب وتداعيات
سجلت معدلات البطالة تباينًا واضحًا بين الجنسين، حيث بلغت 3.8% للذكور من إجمالي قوة العمل الذكورية، مقابل 14.3% بين الإناث. هذه الفجوة المستمرة تعكس تحديات هيكلية في سوق العمل.
وأوضح الأستاذ إبراهيم أن هذه الفجوة ظاهرة شائعة في العديد من الدول النامية والعربية، وترتبط بعوامل اجتماعية وثقافية، كطبيعة الأدوار والمسؤوليات الاقتصادية داخل الأسرة. كما أشار إلى اعتبارات مرتبطة بسوق العمل نفسه، حيث قد تفضل بعض جهات التوظيف، خاصة في القطاع الخاص، الذكور لأسباب تتعلق بساعات العمل أو الانقطاعات المرتبطة بإجازات الوضع ورعاية الأطفال، مما يساهم في اتساع هذه الفجوة.
هيكل المشتغلين والمساهمة القطاعية
بلغ عدد المشتغلين حوالي 32.677 مليون فرد، بزيادة 0.6% عن الربع السابق. وتوزع هؤلاء كالتالي: 22.118 مليونًا بأجر نقدي، 2.022 مليونًا أصحاب أعمال يستخدمون آخرين، 5.935 مليونًا يعملون لحسابهم الخاص دون استخدام عمالة، و2.602 مليونًا يساهمون في أعمال أسرية بدون أجر.
ويرى أستاذ التمويل والاستثمار أن زيادة قوة العمل وارتفاع أعداد المشتغلين لحسابهم الخاص يعكس تحولًا في هيكل سوق العمل، مع تراجع جاذبية التوظيف الحكومي لصالح القطاع الخاص، الذي يوفر فرصًا أكبر للنمو وزيادة الدخل، مما يعزز ثقافة الإنتاج وربط الأجر بالأداء ويدعم مسار التنمية.
أما عن المساهمة القطاعية، فقد تصدر نشاط الزراعة والغابات وصيد الأسما قائمة القطاعات الموظفة بـ 6.562 مليون فرد (20.1%)، يليه تجارة الجملة والتجزئة بـ 5.450 مليونًا (16.7%)، ثم الصناعات التحويلية بـ 4.714 مليونًا (14.4%)، والتشييد والبناء بـ 3.480 مليونًا (10.6%)، وأخيرًا النقل والتخزين بـ 2.681 مليونًا (8.2%).
معدل المساهمة في النشاط الاقتصادي
بلغ معدل المساهمة في النشاط الاقتصادي 46.7% من السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فأكثر، بواقع 70.8% للذكور و21.7% للإناث. وسجل معدل المساهمة في الحضر 45.7% مقابل 47.5% في الريف.
رؤية اقتصادية مستقبلية
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أن انخفاض معدل البطالة خلال الربع الأخير من عام 2025 يُعد تطورًا متوقعًا ضمن مسار برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي شهد تراجعًا للمعدل من مستويات تجاوزت 10% في فترات سابقة.
وأشار جاب الله إلى أن أهمية هذا الانخفاض تكمن في توقيته، حيث تزامن مع تراجع نسبي في الاستثمارات الحكومية، مما يعكس تحسنًا في أداء القطاع الخاص وقدرته على قيادة النشاط الاقتصادي وتوليد فرص العمل، وهو مؤشر إيجابي على تعافي الاقتصاد.
كما أوضح جاب الله أن معدل البطالة يُقاس كنسبة من إجمالي قوة العمل، وبالتالي فإن انخفاض النسبة لا يعني بالضرورة تراجعًا في الأعداد المطلقة للعاطلين، خاصة مع تزايد حجم قوة العمل نفسها.
وفيما يخص الفجوة بين معدلات البطالة للذكور والإناث، أكد الخبير الاقتصادي أنها ليست ظاهرة جديدة، وترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، منها محدودية فرص العمل اللائقة للنساء، لا سيما في المناطق الريفية، بالإضافة إلى الاعتبارات الاجتماعية التي تؤثر على مشاركة المرأة في سوق العمل.
واعتبر جاب الله أن زيادة أعداد المشتغلين لحسابهم الخاص مؤشر إيجابي يعكس تنامي ريادة الأعمال، ويرتبط بانتعاش نشاط الحرفيين والمشروعات الصغيرة مع تحسن الأوضاع الاقتصادية. وختامًا، نوه إلى أن انخفاض معدل البطالة لا يرتبط دائمًا بزيادة التوظيف المباشر، إذ قد يعزى أحيانًا إلى خروج بعض الأفراد من قوة العمل، سواء بالانتقال إلى القطاع غير الرسمي، أو تأسيس مشروعات خاصة، أو السفر للعمل بالخارج، مما يؤدي إلى تراجع النسبة دون أن يكون بالضرورة نتيجة مباشرة لخلق وظائف جديدة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق