صورة للمدرسة العتيقة الرحمة بأيت ياسين، تظهر عمارتها التقليدية وطلابها، رمزاً لاستمرارية التعليم الأصيل في الجنوب المغربي.
منوعات

المدرسة العتيقة الرحمة بأيت ياسين: منارة علمية تصون إرث الجنوب المغربي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

المدرسة العتيقة الرحمة بأيت ياسين: منارة علمية تصون إرث الجنوب المغربي

في عمق الجنوب المغربي، حيث تتشابك الذاكرة العلمية مع الجذور التاريخية للمنطقة الصحراوية، تقف المدرسة العتيقة الرحمة

بجماعة أفركط، التابعة لإقليم كلميم بجهة كلميم وادنون، شامخة كشاهد على استمرارية تقاليد التعليم الأصيل. إنها تجسد وفاء منطقة آيت ياسين لإرثها المعرفي الذي توارثته الأجيال، وتتجاوز كونها مجرد مؤسسة تعليمية لتصبح فضاءً روحياً وثقافياً يعكس الارتباط العميق للإنسان الجنوبي بالعلم والدين، ويؤكد على استمرار رسالة تربوية ضاربة في أعماق التاريخ.

آيت ياسين: مهد الفقهاء وحملة القرآن

لم تظهر المدرسة العتيقة الرحمة من فراغ، بل نشأت في منطقة عُرفت تاريخياً بكونها منبعاً للفقهاء والأئمة وحفظة القرآن الكريم. فقد اشتهرت قبيلة آيت ياسين، على مر القرون، بإسهاماتها الجليلة في الحركتين العلمية والدينية، حتى بات العلم جزءاً لا يتجزأ من الهوية الجماعية لأبنائها.

برز علماء هذه المنطقة في ميادين التعليم الديني والقضاء والإرشاد، وشكلوا مرجعية للقبائل المجاورة، مساهمين بفعالية في نشر المعرفة الشرعية وترسيخ قيم الدين واللغة العربية. كما كان لهم دور محوري في الحياة الدينية والسياسية للمغرب، حيث اعتمدت عليهم الدولة السعدية في فترات تاريخية حرجة، خاصة في حشد المجتمع علمياً وروحياً لمواجهة التواجد البرتغالي في سوس والسواحل المغربية. لقد اضطلع هؤلاء العلماء بمهمة حماية العقيدة ووحدة المجتمع، جامعاً بين رسالة التعليم والإصلاح الاجتماعي، ولا تزال بصماتهم العلمية والروحية ماثلة في مناطق الأطلس الصغير والكبير، وحاحا وتارودانت، حيث تحتفظ الذاكرة المحلية بأسماء وسير هؤلاء الأعلام كرموز للعلم والصلاح.

مدرسة اسرير التاريخية وإرث نول لمطة

يمتد هذا العمق العلمي إلى مدرسة عتيقة تاريخية أخرى تقع بمنطقة اسرير، وهي مدرسة سيدي محمد بن عمر

، التي شُيدت على مقربة من موقع مدينة نول لمطة التاريخية. وقد مثلت هذه المدينة، على مدى قرون طويلة، مركزاً تجارياً وعلمياً رائداً يربط المغرب بعمقه الإفريقي، عبر القوافل التجارية والعلمية التي حملت البضائع والمعارف على حد سواء.

كانت تلك المدرسة إحدى أبرز منارات العلم في الجنوب المغربي آنذاك، حيث استقطبت طلبة من مختلف القبائل، وتخرج منها نخبة من علماء المنطقة الذين حملوا مشعل المعرفة ونشروه في البوادي والحواضر. ومن بين هؤلاء، كان أبناء آيت ياسين الذين ساهموا في استمرارية الحركية العلمية، ليصبح التعليم العتيق تقليداً راسخاً في نسيج المجتمع.

مدرسة الرحمة: صون الذاكرة وتجديد الرسالة

تُعد المدرسة العتيقة الرحمة بأيت ياسين اليوم، ورغم أنها لا تقوم على أنقاض نول لمطة مباشرة، امتداداً رمزياً وروحياً لذلك الإرث العلمي العريق. فقد حافظت القبيلة على ذاكرة الأجداد وقيم التعلم التي أرستها المدارس والزوايا القديمة، وجاء تأسيس هذه المؤسسة ليجدد العهد مع رسالة التعليم الأصيل.

تسعى المدرسة جاهدة لأداء أدوار تربوية وعلمية متعددة، من أبرزها:

  • تحفيظ القرآن الكريم وضبط تلاوته وإتقان علومه.
  • تدريس الفقه والعلوم الشرعية واللغة العربية.
  • ترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتربية الأخلاقية.
  • الحفاظ على استمرارية التعليم العتيق داخل المجال القروي.
  • إعداد جيل متشبث بهويته الدينية والثقافية وقادر على خدمة مجتمعه.

وبذلك، تتحول المدرسة إلى فضاء يمزج بين الأصالة والتجديد، حيث يلتقي التراث العلمي العريق بمتطلبات الحاضر وتحدياته.

جسر يربط الماضي بالحاضر

لا تقتصر أهمية المدرسة العتيقة الرحمة على دورها التعليمي فحسب، بل تتجلى في كونها جسراً حيوياً يربط الحاضر بالماضي. إنها تعبير صادق عن قدرة المجتمع المحلي على صيانة تراثه العلمي رغم التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وتحويل ذاكرة الأجداد إلى مشروع تربوي متجدد يخدم الأجيال الصاعدة.

يعكس استمرار هذا النموذج التعليمي وعياً جماعياً عميقاً بقيمة العلم كركيزة أساسية للاستقرار الروحي والاجتماعي، ويؤكد أن المدارس العتيقة لا تزال تضطلع بدور محوري في حفظ الهوية الثقافية والدينية بالمناطق القروية.

خاتمة

وهكذا، تظل آيت ياسين فضاءً خصباً للعلم، ووعاءً أميناً لذاكرة العلماء الذين أسهموا في تشكيل تاريخ المنطقة. فالمدرسة العتيقة الرحمة ليست بديلاً عن المدارس التاريخية التي ازدهرت في اسرير وعلى أرض نول لمطة، بل هي استمرارية لروحها وامتداد لرسالتها النبيلة.

إنها برهان حي على أن مشعل العلم الذي أضاء الجنوب المغربي قديماً ما يزال متقداً إلى اليوم، بفضل إرادة المجتمع وتشبثه بإرثه العلمي، وإيمانه الراسخ بأن المعرفة هي السبيل الأسمى لصون الهوية وبناء مستقبل مشرق.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *