تشهد الحدود الشمالية لإسرائيل، المتاخمة للجنوب اللبناني، تصعيدًا ملحوظًا في التوترات الأمنية خلال الأيام الأخيرة، مما يثير مخاوف جدية من إمكانية الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة مع حزب الله. وبينما لا ترجح التقديرات الإسرائيلية الحالية نشوب حرب شاملة وشيكة، فإنها تركز على سيناريو تصعيد متدرج قد يبدأ بخطوات محدودة، لكنه يحمل في طياته مخاطر عالية لفقدان السيطرة في حال اختبر أي من الطرفين حدود الردع لدى الآخر.
الموقف الإسرائيلي: نزع السلاح شرط أساسي
في هذا السياق، أوضح مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية الإطار السياسي الذي تستند إليه تل أبيب، مؤكدًا أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان ينص بوضوح على ضرورة نزع سلاح حزب الله بالكامل. وشدد البيان على أن هذا الشرط “أساسي لأمن إسرائيل ولمستقبل لبنان”، في رسالة تعكس موقفًا إسرائيليًا متشددًا تجاه ملف سلاح الحزب. ورغم الإشارة إلى أن جهود الحكومة والجيش اللبنانيين في هذا الاتجاه تُعد “بداية مشجعة”، إلا أن إسرائيل تعتبرها غير كافية، خاصة في ظل ما تصفه بمحاولات حزب الله المستمرة لإعادة التسلح وبناء بنيته التحتية العسكرية بدعم إيراني. ويشكل هذا الموقف السياسي حجر الزاوية في تبرير إسرائيل لاستمرار عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
عمليات عسكرية مكثفة وتحذيرات علنية
على الصعيد الميداني، رصدت مصادر إعلامية خلال أسبوع واحد سلسلة من العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة داخل لبنان، والتي تعكس تصميمًا واضحًا على منع حزب الله من إعادة ترميم قدراته العسكرية جنوب نهر الليطاني. ووفقًا لبيانات الجيش الإسرائيلي، شملت هذه العمليات غارات جوية واستهدافات دقيقة في مناطق مثل جويا، خربة سلم، وجميجمة، ومواقع أخرى في الجنوب. وأسفرت هذه الضربات عن مقتل عدد من عناصر الحزب، بمن فيهم أفراد من “الوحدة الجوية 127″، بالإضافة إلى شخصيات وصفت بأنها محورية في جهود إعادة تأهيل البنى التحتية العسكرية والمجمعات اللوجستية.
وتعتبر إسرائيل أن هذه الأنشطة تمثل “خرقًا فاضحًا للتفاهمات” القائمة مع لبنان، لا سيما تلك التي تهدف إلى تقييد انتشار حزب الله جنوب الليطاني. وتضيف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن بعض البنى المستهدفة أُقيمت داخل مناطق مدنية أو بمحاذاتها، وهو ما تعتبره دليلًا على استخدام المدنيين كغطاء للنشاط العسكري، مع تأكيد اتخاذ إجراءات إنذار مسبق لتقليص الإصابات بين السكان.
وبموازاة هذه الضربات، كثف الجيش الإسرائيلي من استخدام أدوات التحذير العلني، فأصدر أوامر إخلاء عاجلة لسكان عدد من القرى الجنوبية، منها عنان، المنارة، كفر حتا وعين التينة، محذرًا من هجمات وشيكة على بنى عسكرية تابعة لحزب الله وحركة حماس. وتحمل هذه الرسائل بعدًا مزدوجًا: أمنيًا عملياتيًا، ورسالة ردع سياسية مفادها أن إسرائيل لن تتساهل مع أي محاولة لإعادة بناء القدرات العسكرية قرب حدودها.
ضوء أخضر أميركي وتفضيل الضربات المحدودة
تزامن هذا المشهد الميداني مع تسريبات سياسية أوردتها هيئة البث الإسرائيلية، أفادت بأن رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو أبلغ وزراء حكومته بحصول إسرائيل على “ضوء أخضر” من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتنفيذ ضربات في لبنان. ووفق هذه الرواية، يرتبط هذا الغطاء الأميركي برفض حزب الله نزع سلاحه، رغم قرار الحكومة اللبنانية بتفكيك سلاح التنظيمات المسلحة حتى نهاية عام 2025. وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن تل أبيب كانت قد أعدّت خطة لعملية واسعة ضد أهداف حزب الله في حال فشل الجيش اللبناني في تنفيذ عملية نزع السلاح جنوب الليطاني، وأبلغت واشنطن بأن استمرار الحزب في الاحتفاظ بترسانته سيقود إسرائيل إلى التحرك بنفسها، حتى لو كان الثمن تجدد القتال على الجبهة الشمالية.
غير أن هذا التشدد السياسي لا يعني بالضرورة توجهًا إسرائيليًا فوريًا نحو حرب مفتوحة. فقد أوضح المحلل الإسرائيلي يوآب شترن، في مقابلة سابقة، أن إسرائيل ليست معنية بجولة عنف جديدة أو بحرب شاملة مع حزب الله في هذه المرحلة. وأشار إلى أن السلوك الإسرائيلي الحالي يعكس تفضيلًا واضحًا لنهج “الضربات الدقيقة والمحدودة” داخل العمق اللبناني، وهو نهج أصبح، بحسب تعبيره، القاعدة التي تحكم السياسة الإسرائيلية منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير. وأضاف شترن أن إسرائيل ستواصل، على الأرجح، استهداف مواقع وشخصيات وعناصر مرتبطة بمحاولات إعادة ترميم القدرات العسكرية لحزب الله، دون فتح جبهة كاملة شمالًا، نظرًا لما تحمله من كلفة عسكرية ومدنية وسياسية مرتفعة. ويرى أن هذه المقاربة تسمح بالحفاظ على معادلة الردع، دون الانزلاق إلى حرب لا تخدم المصالح الإسرائيلية في هذه المرحلة.
وعلى المستوى الأميركي، يشير شترن إلى أن واشنطن، رغم منحها إسرائيل هامش حركة عملياتي، لا تدفع باتجاه مواجهة واسعة، بل تفضل أن يظل التحرك الإسرائيلي محصورًا في نطاق عمليات موضعية ومحددة الهدف، تستهدف ما تعتبره تل أبيب تهديدات مباشرة، دون توسيع رقعة الصراع أو فتح جبهة شاملة قد تخرج عن السيطرة.
الرواية اللبنانية والشكوك الإسرائيلية
في المقابل، حاولت بيروت تقديم صورة مغايرة، حيث أعلن الجيش اللبناني استكمال ما وصفه بتفكيك السلاح جنوب نهر الليطاني وتحقيق “احتكار الدولة للسلاح” في تلك المنطقة، باستثناء المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. غير أن مصادر عسكرية إسرائيلية تحدثت لصحيفة هآرتس شككت في دقة هذه التصريحات، مؤكدة أن وجود حزب الله جنوب الليطاني ما زال قائمًا، وأن الجيش الإسرائيلي يرصد نشاطًا مستمرًا للحزب ومحاولات متواصلة لإعادة بناء بنيته العسكرية، وإن كان بوتيرة حذرة.
منطقة رمادية خطرة
في المحصلة، تبدو الجبهة اللبنانية عالقة في منطقة رمادية خطرة: لا حرب شاملة تلوح في الأفق القريب، ولا تهدئة مستقرة يمكن البناء عليها. وبين موقف سياسي إسرائيلي يشدد على نزع سلاح حزب الله، وضربات عسكرية متواصلة، وتشكيك بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها جنوب الليطاني، ورسائل أميركية تضبط سقف التصعيد، يبقى احتمال الانزلاق قائمًا. تصعيد لا يريده أي من الطرفين، لكنه قد يفرض نفسه إذا ما اختبرت حسابات الردع حدود الصبر لدى أحدهما.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق