مشهد يجسد التوتر على الحدود اللبنانية، مع إشارة إلى الصراع بين حزب الله وإسرائيل.
السياسة

لبنان: صراع الجبهات بين رهان حزب الله على الميدان ومساعي الدولة للتفاوض

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في لبنان اليوم، يتجلى الصراع على جبهتين متوازيتين: الميدان العسكري والساحة السياسية. ففي حين تسعى الدولة اللبنانية جاهدة لوقف القتال وفتح قنوات للتفاوض، يراهن حزب الله على خيار المواجهة المباشرة، رافعاً شعار “الكلمة للميدان”. هذا التباين يضع ملايين اللبنانيين في موقف حرج، مهمشين في معادلة وجودية.

مواقف الأطراف الرئيسية: حزب الله وإسرائيل

يصف الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، المواجهة بأنها “معركة وجودية”، مؤكداً استعداد الحزب لخوض حرب طويلة الأمد. وفيما يتعلق بالتفاوض، يرى قاسم أنه “فرض للاستسلام حين يتم تحت النار”. في المقابل، ترفض إسرائيل أي مسعى لوقف إطلاق النار قبل نزع سلاح حزب الله، مما يزيد من تعقيد المشهد.

الجمود السياسي والجهود الدبلوماسية اللبنانية

من جانبها، تحاول الحكومة اللبنانية الدفع باتجاه وقف الحرب وفتح مسار تفاوضي. إلا أن رئيس الجمهورية، جوزاف عون، أشار خلال لقائه بالوزيرة المفوضة للجيوش الفرنسية، أليس روفو، في 31 مارس، إلى استمرار رفض إسرائيل التجاوب مع الدعوات اللبنانية والعربية والدولية لوقف الحرب وبدء المفاوضات، مما يؤكد وجود انسداد في الأفق السياسي. وفي سياق متصل، شددت النائبة نجاة عون على رفضها أن يتحدث حزب الله باسم اللبنانيين، معتبرة أن تمثيل الدولة يقع على عاتق رئيسي الجمهورية والحكومة، ومؤكدة في حديث لموقع “الحرة” أنه “لا يجب لميليشيا مرتبطة بإيران أن تحدد توقيت الحرب والسلم”.

استراتيجية حزب الله العسكرية: حرب استنزاف

عسكرياً، لا تعني عبارة “الكلمة للميدان” بالضرورة امتلاك القدرة على الحسم. يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد، ناجي ملاعب، أن حزب الله “لا يزال يحتفظ بقدرات قتالية تمكّنه من الاستمرار في المواجهة، تشمل أسلحة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وطائرات مسيّرة، إضافة إلى القدرة على تنفيذ رشقات نارية مكثفة”.

غير أن هذه القدرات، وفقاً لملاعب، تُوظَّف ضمن إطار “حرب استنزاف طويلة لا معركة فاصلة، حيث لا يركّز الحزب على منع التوغّل الإسرائيلي في عمق الجنوب بقدر ما يسعى إلى اختبار قدرة خصمه على تحمّل كلفة المواجهة البرية واستمراريتها”. ويضيف أن ذلك يأتي في ظل تحديات تواجه إسرائيل، من بينها نقص في العديد العسكري، كما أشار رئيس الأركان إيال زامير. وبحسب هذه القراءة، يهدف الحزب إلى إطالة أمد المواجهة تمهيداً لفرض وقف إطلاق نار لاحقاً، على غرار ما حدث في جولات سابقة. ويشير ملاعب إلى أن إطلاق عشرات الصواريخ يومياً، بما فيها صواريخ “سكود” التي يصل مداها إلى نحو 700 كيلومتر، “يعكس استمرار قدرة الحزب على تشغيل منصات إطلاق خارج نطاق الرصد الكامل، رغم التطور الاستخباراتي الإسرائيلي واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي ساهمت في تنفيذ عمليات دقيقة، من بينها اغتيال عدد كبير من قادة الحزب”.

تحديات الجيش اللبناني وتهريب الأسلحة

في المقابل، نشر الجيش الإسرائيلي صوراً لأسلحة قال إنه عثر عليها في الجنوب، معتبراً أن الجيش اللبناني لم ينجح في نزع سلاح الحزب أو منع وجوده هناك. ويوضح ملاعب أن “الجيش اللبناني، رغم دخوله بعض المواقع والأنفاق ومصادرة أسلحة جنوب نهر الليطاني، لم يستكمل انتشاره في القرى الحدودية، كما أن المصادرات اقتصرت على ما تم كشفه”. ويلفت إلى أن “غياب جيش سوري مركزي متماسك يسهّل استمرار تهريب الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والذخائر، لا سيما مع وجود مخازن للحزب داخل سوريا، رغم تراجع هذه الأنشطة مقارنة بالسابق وفق تقديرات إسرائيلية”.

آراء متباينة حول قدرة حزب الله على الصمود

يرى المحلل السياسي جورج العاقوري في حديث لموقع “الحرة” أن “الحزب قادر على مواصلة حرب استنزاف مفتوحة، لكنه يفتقر إلى الإمكانات العسكرية واللوجستية التي تتيح له تحقيق نتائج حاسمة، مستدلاً بحجم الخسائر البشرية والمادية التي يتكبدها لبنان مقارنة بما تتحمله إسرائيل”. على النقيض، يقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور مكرم رباح لموقع “الحرة” إن الحزب لا يمتلك القدرة على خوض حرب طويلة الأمد، “بل يعتمد مقاربة تقوم على الاستمرار في إطلاق، ولو صاروخ واحد يومياً، بهدف الحفاظ على مستوى معيّن من التهديد لإسرائيل، بما يتيح له تسويق ذلك على أنه ‘انتصار’. غير أن هذه المقاربة تصطدم برفض داخلي لبناني متزايد، في ظل حجم الدمار الذي يفوق قدرة الدولة على إعادة الإعمار، خصوصاً مع استمرار دور الحزب العسكري”.

الأبعاد الإقليمية وتأثيرها على القرار اللبناني

يتفق رباح والعاقوري وعون على أن الإصرار على شعار “الكلمة للميدان” يتجاوز البعد العسكري المباشر، ويرتبط بحسابات إقليمية أوسع، في ظل ارتباط قرار حزب الله بمسارات تقودها إيران. وبحسب هذه القراءة، يتحرّك سلوك حزب الله ضمن مسارين متوازيين: الأول يتصل بديناميات المواجهة الإقليمية، والثاني يرتبط بمسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، لا يقتصر دور الميدان على كونه ساحة للعمليات العسكرية، بل يتحوّل إلى أداة ضغط تُوظَّف في كلا المسارين، سواء عبر التصعيد أو ضمن سياق التفاوض. وتنطلق هذه المقاربة من فرضية مفادها أن نتائج هذه المواجهة ستقود إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية، بحيث يشكّل لبنان إحدى ساحاتها الأساسية. وهو ما يفسّر، وفق تقديرات كل من عون ورباح والعاقوري، محدودية تأثير المبادرات الدولية الخاصة بلبنان، في ظل غياب حسم للتفاهمات بين الأطراف المعنية. ويخلص العاقوري إلى أن التحركات الدولية، ولا سيما الفرنسية، “لا تزال في إطار طرح الأفكار وتهيئة المناخ”، مشدداً على أن “أي وساطة جدية يجب أن تتم بقيادة أو بمباركة أميركية، على أن ترتبط أساساً بحسم ملف سلاح حزب الله كمدخل أساسي لأي مسار تفاوضي”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *