في مشهد دبلوماسي يتسم بالتعقيد، عادت الجماعة الإنمائية لأفريقيا الجنوبية (SADC) إلى واجهة الأحداث، ليس بفضل إنجازات اقتصادية أو خطوات نحو التكامل الإقليمي، بل بسبب محاولة جديدة لإعادة إحياء مشروع سياسي يفتقر إلى الاعتراف الواقعي منذ عقود. تمثلت هذه المحاولة في تقديم شخص يدعى الهيبة عباس كممثل لما يسمى بـ“الكيان الوهمي”، في خطوة يرى فيها مراقبون حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الجهود الرامية لإبقاء فكرة على قيد الحياة رغم غياب مقومات وجودها الذاتي.
هذه التطورات لا يمكن فهمها بمعزل عن الدور المحوري الذي يلعبه النظام العسكري الجزائري، الذي لم يكتفِ بتقديم الدعم لهذا الطرح، بل تحول إلى الراعي الأساسي له على الصعيدين السياسي والدبلوماسي منذ نشأته.
إنعاش مستمر منذ نصف قرن
إذا كان هناك معيار لأطول عملية إنعاش سياسي في التاريخ المعاصر، فإن هذا الملف سيحصد الجائزة بلا منازع. لأكثر من نصف قرن، استمر ضخ الموارد المالية والسياسية والإعلامية في هذا المشروع، ومع ذلك، لا تزال “الحالة” في غرفة العناية المركزة، معتمدة بشكل كلي على أجهزة دعم خارجية للبقاء. المفارقة تكمن في أن هذا “الإنعاش” تجاوز مجرد الدعم ليصبح تبنيًا كاملاً، يتجلى في التحركات الدبلوماسية المستمرة، والضغط داخل المنظمات الدولية، والسعي الدائم لتوسيع دائرة الاعتراف. يبدو الأمر وكأننا أمام مشروع لا يمتلك القدرة على الاستمرارية بذاته، بل يعتمد على ما يُضخ فيه من دعم خارجي.
دبلوماسية الضغط: بين الإقناع والإحراج
ما شهدته اجتماعات الجماعة الإنمائية لأفريقيا الجنوبية، وفقًا لتحليلات متابعين، لا يمكن فصله عن ضغط سياسي واضح يمارسه النظام العسكري الجزائري داخل بعض الهيئات الإقليمية. هنا، تتحول الدبلوماسية من فن بناء التوافق والإقناع إلى تكتيك “ليّ الذراع”، حيث يصبح الهدف تمرير موقف معين حتى لو كان يفتقر إلى الوزن الفعلي على الأرض. وفي هذا السياق، تبدو تصريحات إلياس ماغوسي، التي أشارت إلى دعم الطرح الانفصالي، كجزء من هذا المشهد الرمزي: كلمات ذات صدى، لكن تأثيرها الواقعي يظل محدودًا، خاصة عند النظر إليها في سياق توازنات القوى والضغوط الدبلوماسية، أكثر من كونها تعبيرًا عن قناعات راسخة.
الاعتراف: سلعة دبلوماسية قابلة للتصدير؟
من أكثر المفارقات إثارة للتساؤل هي فكرة “شراء الاعتراف”. يبدو الأمر كما لو أننا أمام منتج دبلوماسي يتم تسويقه في الأسواق الدولية: كلما زاد الضخ السياسي والمالي، زادت فرص الحصول على مواقف مؤقتة. غير أن هذا “الاعتراف” غالبًا ما يتسم بالهشاشة، ويتغير بتغير المصالح، وينتهي بانتهاء الظروف التي أدت إليه. وتبرز هنا مفارقة أخرى: في الوقت الذي تُصرف فيه موارد ضخمة في الخارج لخدمة هذا الملف، تتصاعد تساؤلات داخلية حول جدوى هذا الاستثمار السياسي الطويل، وحول أولوياته مقارنة باحتياجات داخلية أكثر إلحاحًا.
رهان الوهم في مواجهة حقيقة الواقع
المعضلة الأساسية لا تكمن في قلة المحاولات، بل في طبيعة المشروع نفسه. فكما يقول المثل: “ما بُني على باطل فهو باطل”. لا يمكن لفكرة أن تستمر لمجرد أنها تُموَّل، ولا لكيان أن يكتسب شرعية لأنه يُسوَّق له سياسيًا. بل إن الإصرار على إعادة تدوير نفس الطرح، بنفس الأدوات، يعطي انطباعًا بأننا أمام سياسة لا تبحث عن حلول مستدامة، بقدر ما تسعى إلى إبقاء الملف قائمًا، ولو عبر “إنعاش اصطناعي” دائم.
استراتيجية “العكر على الخنونة”: إخفاء المأزق أم تعميقه؟
في نهاية المطاف، يبدو أن ما يحدث هو مجرد إضافة طبقة جديدة من “العكر على الخنونة” (مثل شعبي مغربي يعني محاولة إخفاء عيب بعيب آخر أو تجميل قبيح بما هو أقبح). إنها خطوة رمزية تُقدم كإنجاز، بينما هي في الواقع محاولة أخرى لإخفاء مأزق عميق، تُدار خيوطه من خلف الستار بجهد سياسي مستمر. لكن الواقع، كعادته، أقل قابلية للتزييف من البيانات الرسمية. وكلما تم وضع “ياجورة” جديدة، سقطت عشر، ليس بسبب مؤامرة، بل لأن الأساس نفسه غير قابل للبناء عليه.
خلاصة
ما جرى لا يمثل تحولًا استراتيجيًا، بل هو تكرار لنفس الأسلوب: ضخ مستمر، ضغط سياسي، ورعاية واضحة من النظام العسكري الجزائري لهذا المسار، مقابل نتائج محدودة تدور في حلقة مفرغة. وبينما تستمر محاولات الإنعاش، يبقى السؤال الحقيقي: هل المشكلة في نقص الجهد… أم في طبيعة المشروع نفسه؟ إلى أن يُجاب عن هذا السؤال، سيظل المشهد كما هو: غرفة إنعاش مفتوحة… ومريض لا يغادرها أبدًا.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق