ترحيل السوريين من ألمانيا: جدل متصاعد وواقع معقد قد يستغرق قروناً
أثارت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، التي أشار فيها إلى إمكانية إعادة غالبية اللاجئين السوريين إلى بلادهم خلال ثلاث سنوات، عاصفة من الانتقادات وجدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الألمانية. في حين يرى خبراء اللجوء أن هذه التصريحات تفتقر إلى الواقعية القانونية والعملية، يؤكد ممثلو الجالية السورية أن الظروف الراهنة في سوريا لا تسمح بأي عودة جماعية. يعكس النقاش الذي فتحه ميرتس تصاعداً في الجدل حول ملف الهجرة داخل ألمانيا.
تصريحات ميرتس: إثارة الجدل حول عودة السوريين
أعاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس فتح ملف السوريين المقيمين في ألمانيا بادعائه أن الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع يرغب في عودة 80% من السوريين من ألمانيا إلى سوريا خلال ثلاث سنوات. هذا الادعاء قوبل بالنفي من الجانب السوري، وفقاً لما نقلته صحيفة فرانكفورتر روندشاو الألمانية.
في حوار أجرته الصحيفة ذاتها يوم الجمعة (الثالث من أبريل/نيسان 2026) مع تيمو شيرِنبِرغ، المدير التنفيذي لمجلس اللاجئين في ولاية هيسن منذ عام 2005، أوضح شيرنبرغ أن هذا الرقم لم يصدر عن الرئيس السوري، مؤكداً أن نسبة الـ 80% هي النسبة التي “أرادها ميرتس، حتى لو حاول إلصاقها بالرئيس الشرع”. وأضاف شيرنبرغ أن الحكومة السورية تفتقر إلى القدرة على استيعاب هذا العدد الهائل من العائدين، لا سيما مع وجود ملايين النازحين داخلياً وعشرات الآلاف من العائدين من مخيمات اللجوء في دول الجوار.
“طرح غير واقعي”: رؤية خبراء الهجرة
في حوار مطول مع صحيفة نورد كورير يوم الجمعة، تحت عنوان “ترحيل السوريين.. خبير هجرة يوضح كيف يمكن للحكومة تحقيق ذلك”، قدم البروفيسور دانييل تيم، أستاذ القانون في جامعة كونستانس الألمانية وخبير الهجرة، رؤية تحليلية دقيقة لملف إعادة السوريين إلى بلادهم بعد سقوط نظام الأسد. أوضح تيم أن النقاش السياسي في ألمانيا يتسم بالمبالغة، وأن الأرقام التي يطرحها المستشار ميرتس لا تستند إلى أسس عملية أو قانونية، محذراً من تبسيط قضية شديدة التعقيد.
بدأ البروفيسور دانييل تيم بتفنيد إعلان المستشار ميرتس عن إمكانية إعادة 80% من السوريين، وهو ما يعني عودة 760 ألف شخص من حوالي 950 ألف سوري وسورية خلال ثلاث سنوات، مؤكداً أن هذا الرقم “غير قابل للتحقق”. وصرح قائلاً: “هذا لن يحدث لا بالإكراه ولا على أساس طوعي”.
وأشار خبير الهجرة دانييل تيم إلى أن النقاش العام في ألمانيا يقع في فخ “الكل أو لا شيء”، حيث يصور البعض جميع السوريين كعبء، بينما يراهم آخرون جميعاً كقيمة اقتصادية. وأكد أن الواقع أكثر تنوعاً: فهناك نحو 6000 طبيب سوري وقرابة 200 ألف يعملون في مهن تعاني فيها ألمانيا من نقص حاد، وفي المقابل توجد فئات لم تنجح في الاندماج وتعتمد على المساعدات.
معضلة التعامل مع البشر: انتقادات حادة
أثارت تصريحات ميرتس حول “الحاجة للحديث عن الأطباء والممرضين السوريين الذين قد يكونون مطلوبين في بلدهم” تساؤلات حول ما إذا كان المستشار يسعى فعلاً إلى التخلص من فئة مندمجة وفاعلة في المجتمع الألماني. وفي السياق ذاته، قال شيرنبرغ: “كيف بالإمكان أن تخطر على بال المستشار فكرة أنه يستطيع التعامل مع مجموعات بشرية وكأنها كتلة قابلة للسحب والإرجاع؟”.
وأكد الخبير أن هؤلاء الأشخاص يعيشون في ألمانيا منذ سنوات طويلة، ولديهم وظائف وشبكات اجتماعية، وأطفال ولدوا في ألمانيا ولا يعرفون سوريا أصلاً. وأشار شيرنبرغ إلى أن الغالبية الساحقة من السوريين في ألمانيا يتمتعون بوضع حماية قانوني، وأن إلغاء هذا الوضع يتطلب إجراءات فردية معقدة يمكن الطعن فيها أمام المحاكم. وأضاف أن أي محاولة لترحيل مئات الآلاف من شأنها أن تصيب النظام القضائي بالشلل لسنوات طويلة.
وتابع تيمو شيرنبرغ قائلاً: “حتى لو تجاهلنا كل العقبات القانونية، فإن الأرقام تجعل الفكرة مستحيلة، فبمعدل الترحيل الحالي سيستغرق الأمر أكثر من 300 عام لترحيل هذا العدد”، في تقييم للوضع يرمز إلى الفجوة الواسعة بين الطرح السياسي والواقع العملي في سياق ترحيل اللاجئين السوريين من ألمانيا.
وشدد دانييل تيم على أن أي خطة لإعادة مئات الآلاف ستصطدم بجدار قانوني هائل، مؤكداً: “لا يكفي أن يعلن المستشار الألماني ميرتس أن سوريا بلد آمن”، إذ يتطلب الأمر فحصاً فردياً لكل حالة، بما يشمل الأصل الجغرافي والروابط الاجتماعية وإمكانية كسب العيش في سوريا. وقال إن “نظام اللجوء الحالي غير مصمم للتعامل مع مئات الآلاف من الحالات”. وحذر من أن الإجراءات القضائية من شأنها أن تستغرق شهوراً لكل ملف، وهذا يجعل التنفيذ شبه مستحيل، حتى لو توفرت الإرادة السياسية.
توصيات للحكومة بشأن الترحيل: خطة واقعية بدل الشعارات
قدم دانييل تيم توصية مباشرة لصناع القرار السياسي الألمان وهي: التركيز على فئة محددة من السوريين بدلاً من إطلاق وعود غير قابلة للتنفيذ. وقال: “على السياسة أن تركز على الذين دخلوا حديثاً (إلى ألمانيا)، وعلى ذوي المؤهلات المنخفضة، ومن يواجهون صعوبة في دخول سوق العمل”.
وأضاف دانييل تيم أن الكثيرين من السوريين حصلوا على الجنسية الألمانية، وهؤلاء خارج أي نقاش حول العودة، وهو ما يجعل الأرقام التي يطرحها ميرتس مضللة وغير دقيقة. ولخص البروفيسور دانييل تيم رؤيته بالتأكيد على أن النجاح في سياق الترحيل يتطلب عدم تعميم الأحكام على جميع السوريين، موصياً بوضع أولويات واضحة تشمل من لم يندمج بعد، وإنشاء مزيج من الحوافز والعقوبات لزيادة العودة الطوعية، وإصلاحات عميقة في نظام اللجوء ليصبح قادراً على التعامل مع الأعداد الكبيرة. وأكد أن أي تقدم حقيقي في هذا السياق يحتاج إلى “نَفَس طويل” وإلى خطاب سياسي أكثر واقعية وأقل شعبوية.
موقف الجالية السورية: العودة الجماعية غير ممكنة
في تقرير بثه موقع إذاعة ألمانيا العامة دويتشلاندفونك يوم السبت (الرابع من أبريل/نيسان 2025)، قال صادق المُوصِلِّي، المتحدث باسم “التجمع السوري في ألمانيا”، إن الحديث عن عودة جماعية خلال ثلاث سنوات “غير واقعي تماماً”. وأوضح الموصلي لوكالة الأنباء الإنجيلية الألمانية: “لا توجد في سوريا مقومات أساسية للحياة. 1.3 مليون شخص يعيشون في خيام، والدمار واسع، والمدارس غير موجودة في مناطق كثيرة”. وأضاف أن غياب البنية التحتية يجعل أي خطة لإعادة مئات الآلاف “مستحيلة من الناحية الإنسانية”.
لماذا يعود السوريون من دول الجوار أكثر من أوروبا؟
أوضح الأستاذ الجامعي دانييل تيم أن السوريين الذين غادروا الشرق الأوسط إلى أوروبا اتخذوا قراراً استراتيجياً ببناء حياة جديدة، مما يجعل احتمال عودتهم أقل بكثير مقارنة باللاجئين في تركيا أو لبنان. كما أن جودة الحياة في ألمانيا تقلل الدافع للعودة، خصوصاً بعد سنوات من الاستقرار النسبي.
تحذيرات من تطبيع خطاب اليمين الشعبوي والمتطرف
يرى السياسي الخبير شيرنبرغ أن المستشار ميرتس “يتبنى مواقف تأتي عادةً من أقصى اليمين”، وأنه بذلك يضفي عليها شرعية داخل تياره المحافظ، مما يجعلها “صالحة للتداول” ويمنح اليمين الشعبوي والمتطرف فرصة لاستثمارها سياسياً. وأكد شيرنبرغ قائلاً: “بهذه الطريقة يجعل ميرتس الخطاب اليميني المتطرف مقبولاً اجتماعياً، لكنه في النهاية لن يستطيع تنفيذ وعوده، وهو ما سيستفيد منه حزب البديل” اليميني الشعبوي، والمتطرف جزئياً.
وتكشف ردود الخبراء الألمان وممثلي الجالية السورية أن تصريحات ميرتس لا تستند إلى معطيات واقعية، سواء من حيث الوضع القانوني للسوريين في ألمانيا أو الظروف الميدانية في سوريا. ويبدو أن الجدل الذي أثاره المستشار يعمق الانقسام السياسي ويمنح خطاب اليمين الشعبوي والمتطرف في ألمانيا مساحة أكبر، دون أن يقدم حلولاً عملية أو إنسانية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق