لم تكن ليلة عادية تلك التي سبقت وتلت إعلان تأهل المنتخب العراقي لكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم 2026، حيث عاش الصحفي الرياضي العراقي عامر مؤيد، كغيره من الملايين، لحظات ترقب وتوتر قصوى. “كنت متوتراً. الجميع كان متوتراً. حتى الأموات توتروا،” هكذا وصف مؤيد، الذي تحول إلى مشجع شغوف، حجم الترقب الذي ساد الشارع العراقي.
فرحة التأهل: حقيقة لا كذبة نيسان
في الأول من أبريل 2026، وعند الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت بغداد، تحول الحلم إلى حقيقة: العراق يتأهل رسمياً إلى نهائيات كأس العالم 2026. لم تكن هذه “كذبة نيسان” بل إنجاز كروي تاريخي طال انتظاره. تفاعلاً مع هذا الحدث، اتخذت الحكومة العراقية قرارات استثنائية؛ فقبل المباراة بيوم، تم تأخير الدوام الرسمي في مؤسسات الدولة لساعة واحدة، ليصبح في التاسعة صباحاً بدلاً من الثامنة، وذلك لتسهيل متابعة المباراة التي انطلقت في السادسة صباحاً. وبعد الفوز التاريخي، أعلنت الحكومة تعطيل الدوام الرسمي ليومي الأربعاء والخميس احتفالاً بهذا الإنجاز.
انتصار “أسود الرافدين”
جاء التأهل بعد فوز مستحق للمنتخب العراقي على نظيره البوليفي بهدفين نظيفين في الملحق النهائي لتصفيات كأس العالم. حمل الهدفان توقيع اللاعبين علي الحمادي والنجم العراقي أيمن حسين. وفي أعقاب الفوز، ظهر أيمن حسين في مقطع فيديو يهنئ فيه الشعب العراقي، متمنياً أن “يعم الأمن والأمان على بلدنا وكل البلدان الإسلامية”.
احتفالات صاخبة في ظل تحديات أمنية
عمت الفرحة العارمة المدن العراقية، حيث خرجت الجماهير بأعداد غفيرة إلى الشوارع، تملؤها الدموع والابتهاج والهتافات الصادقة. لم يُرفع سوى العلم العراقي، وفي حادثة لافتة، منعت الجماهير محاولة أحدهم رفع العلم الإيراني، مؤكدة على الوحدة الوطنية. الغريب في الأمر أن هذه الاحتفالات جرت في أجواء أمنية متوترة؛ فقبل المباراة بست ساعات فقط، كانت طائرات مسيرة محملة بقذائف تحلق في سماء بغداد، وسقط بعضها قرب مطار بغداد الدولي. لكن لا شيء بدا قادراً على إيقاف العراقيين عن مطاردة حلمهم، حتى التهديدات الأمنية المستمرة. فتحت المقاهي والمطاعم أبوابها منذ ساعات الفجر الأولى، واحتشد الناس في الشوارع، عيونهم مسمرة على الشاشات الكبيرة، متجاهلين أخبار الحرب القريبة، فالتسعون دقيقة كانت هي الأهم.
أربعون عاماً من الانتظار: تكرار للتاريخ؟
انتظر العراقيون أربعين عاماً كاملة للعودة إلى كأس العالم، بعد مشاركتهم الأولى والوحيدة عام 1986. حينها، كانت الأجواء مشابهة لما يعيشونه اليوم، حيث كانت حرب العراق مع إيران في عامها السادس. يتذكر العراقيون من تلك المشاركة هدفهم الوحيد في مرمى بلجيكا، والذي سجله الراحل أحمد راضي، في ملحمة رياضية خاضها “الجيل الذهبي” رغم حرمانهم من اللعب على أرضهم. لكن خلف بريق ذلك التأهل، كان واقع مرير يسيطر عليه عدي صدام حسين، نجل الرئيس الأسبق، الذي أدار المشهد الرياضي بقبضة من حديد، مستخدماً الترهيب والتعذيب لإجبار اللاعبين على الفوز. يروي اللاعب السابق سمير كاظم كيف احتجزهم عدي صدام حسين في “غرفة حمراء” باللجنة الأولمبية لخمسة أيام بعد إحدى الخسائر.
“أسود الرافدين” في زمن التحديات
اليوم، في عام 2026، يتنافس لاعبو المنتخب العراقي في ظروف استثنائية. فبينما تشتعل المنطقة بالنزاعات الإقليمية والتهديدات الصاروخية، خاض “أسود الرافدين” أطول ماراثون تصفيات في تاريخهم، امتد لـ 21 مباراة، ليثبتوا أن حلم التأهل قابل للتحقيق، وقد حققوه بالفعل.
رحلة شاقة نحو المونديال
في فبراير 2026، ومع إغلاق الأجواء العراقية، اضطر المنتخب لخوض رحلة سفر شاقة استغرقت 43 ساعة. بدأت الرحلة بـ 15 ساعة براً من بغداد إلى عمّان، ومنها جواً إلى لشبونة، وصولاً إلى المكسيك. عبر المدرب الأسترالي غراهام أرنولد، الذي تولى المهمة في أحلك الظروف، عن سعادته قائلاً: “أنا سعيد للغاية لأننا أسعدنا 46 مليون شخص، خاصةً مع ما يحدث في الشرق الأوسط حالياً، أنا سعيد جداً من أجلهم”.
إنجازات كروية في زمن الحروب
تاريخياً، ارتبطت أبرز إنجازات الكرة العراقية بسنوات الحروب. ففي عام 1986، تأهلوا لكأس العالم خلال حربهم مع إيران. وفي عام 2004، حققوا المركز الرابع عالمياً في أولمبياد أثينا وتغلبوا على البرتغال بقيادة كريستيانو رونالدو، وذلك في خضم حربهم ضد الإرهاب. وعندما أحرزوا لقب كأس أمم آسيا عام 2007، كانت الحرب الطائفية تفتك بالبلاد. واليوم أيضاً، وسط اشتعال الحرب في المنطقة وارتفاع أصوات المسيرات والصواريخ في سماء العراق، يصلون إلى كأس العالم.
تطلعات نحو كندا وأميركا
يتطلع العراقيون الآن إلى كندا والولايات المتحدة، حيث سيواجه منتخبهم في المجموعة التاسعة كلاً من فرنسا، السنغال، والنرويج. ورغم صعوبة الخصوم، يرى العراقيون في منتخبهم فرصة لإثبات الوجود على الساحة العالمية، ويأملون أن يصبحوا “الحصان الأسود” للبطولة.
احتفالات مستمرة وتحديات قادمة
بعد مرور أكثر من 36 ساعة على الفوز، لم تتوقف الاحتفالات، ولا يزال العراقيون يعيشون نشوة التأهل. استقبلوا منتخبهم بحفاوة في العاصمة الأردنية عمّان، وتُحضّر لهم احتفالات كبرى عند وصولهم إلى بغداد. ومع ذلك، يواجه الجماهير العراقية تحدياً كبيراً في السفر لمساندة “أسود الرافدين” بسبب إغلاق السفارة الأميركية في بغداد، وقصر الوقت، وتوقف الخدمات القنصلية في أربيل. وبينما تُكتب هذه السطور، ضربت ثلاث مسيرات معسكر فيكتوري في بغداد، لكن الاحتفالات في بعض مناطق العاصمة لم تتوقف. “إنها كأس العالم يا سادة”، يقول عامر مؤيد، الصحفي الذي تحول إلى مشجع، معبراً عن شغف لا يقهره شيء.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق