صيدلية أمريكية تعرض رفوفاً مليئة بالأدوية مع لافتات خصم، بينما تلوح في الأفق مخاوف من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية بسبب مضيق هرمز.
Health

مضيق هرمز: تهديد خفي يتربص بأسواق الدواء العالمية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

بينما تبدو رفوف الصيدليات في ولاية فرجينيا الأمريكية ممتلئة بالأدوية وعروض الخصومات، وتعود حركة الزبائن إلى طبيعتها بعد سنوات جائحة كورونا، يلوح في الأفق شبح أزمة عالمية كبرى في سلاسل الإمداد، قد تقلب هذا المشهد الهادئ رأساً على عقب. فصناعة الأدوية في الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتطورات الجيوسياسية والعسكرية في مناطق بعيدة، أبرزها مضيق هرمز.

مضيق هرمز: شريان حيوي بتأثيرات أوسع

يُعد هذا الممر البحري الضيق، الذي يفصل بين إيران وسلطنة عمان، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، حيث يمر عبره ما يقارب خُمس صادرات النفط العالمية. ورغم أن تأثيره على أسواق الطاقة معروف، إلا أن تداعياته المحتملة على قطاع الأدوية قد تكون أعمق وأقل وضوحاً للعامة.

تحذيرات الخبراء: سلسلة تفاعلات معقدة

يحذر خبراء في سياسات الصحة وسلاسل الإمداد الدوائية من أن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة في المضيق، أو ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، قد يمتد تأثيره تدريجياً إلى قطاع الأدوية الأمريكي. هذا التأثير لن يكون مباشراً، بل سيتجلى عبر سلسلة معقدة من التفاعلات الاقتصادية والصناعية.

تشير الدكتورة ماريانا سوكال، الباحثة المتخصصة في اقتصاديات الدواء وسلاسل الإمداد العالمية بجامعة جونز هوبكنز، إلى أن صناعة الأدوية شهدت تحولاً كبيراً خلال العقود الثلاثة الماضية نحو نموذج عالمي يعتمد على الإنتاج الخارجي. وتوضح في تصريح لـ”الحرة” أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على المصنعين الدوليين لتوريد الأدوية، حيث تُنتج الأدوية الجديدة باهظة الثمن غالباً في أوروبا، بينما تأتي نسبة كبيرة من الأدوية الجنيسة الأرخص من الصين والهند.

الأدوية الجنيسة: ركيزة النظام الصحي في خطر

تُشكل الأدوية الجنيسة، وهي النسخ الأقل تكلفة من الأدوية بعد انتهاء صلاحية براءات اختراعها، العمود الفقري للنظام الصحي الأمريكي، إذ تمثل أكثر من 90% من الوصفات الطبية التي تُصرف في البلاد. لكن إنتاج هذه الأدوية يعتمد على سلسلة تصنيع دولية متعددة المراحل.

تُفصّل الدكتورة سوكال أن عملية تصنيع الدواء ليست محصورة في مصنع واحد، بل تتضمن مراحل متعددة تبدأ بالمواد الكيميائية الأولية، مروراً بالمكونات الدوائية الفعالة (APIs)، وصولاً إلى التصنيع النهائي والتغليف والنقل. وتؤكد أن “أجزاء من هذه السلسلة تعتمد على طرق النقل البحرية، وبعضها يمر عبر مناطق مرتبطة بالخليج ومضيق هرمز”.

النفط والأدوية: علاقة غير متوقعة

لا يقتصر الارتباط بين مضيق هرمز وأسواق الأدوية على النقل البحري فحسب. فكثير من المواد الأساسية المستخدمة في صناعة الأدوية ترتبط مباشرة بقطاع النفط. يشرح الدكتور مارك كهان، عميد كلية كيركوريان للطب وبروفيسور وباحث في صناعة الأدوية بجامعة نيفادا بلاس فيغاس، أن العديد من المكونات الكيميائية الأساسية للأدوية مشتقة من منتجات نفطية، مثل مركبات الغليسرين والفينولات.

ويضيف الدكتور كهان في حديثه لـ”الحرة” أن أي اضطراب في إنتاج النفط أو شحنه سيؤدي حتماً إلى نقص في هذه المواد، مما يعني أن “ارتفاع أسعار النفط أو تعطّل الإمدادات النفطية يمكن أن يرفع تكلفة تصنيع الأدوية”.

تأثيرات اقتصادية تصل للمستهلك

تعتمد الدول المنتجة للأدوية الجنيسة بكميات كبيرة، مثل الهند، على طرق الشحن العالمية، بما فيها المسارات المرتبطة بمضيق هرمز، لتصدير منتجاتها. وفي حال تعطلت سلاسل الإمداد أو ارتفعت تكاليف النقل والطاقة، فإن هذه الزيادات ستنتقل تدريجياً إلى المستهلكين.

تُشير الدكتورة سوكال إلى أن هذه المشكلة تتفاقم بالنسبة للأدوية الجنيسة نظراً لأن شركاتها تعمل بهوامش ربح ضيقة للغاية. “منتجو الأدوية الجنيسة يعملون بهوامش ربح منخفضة جداً، لذلك لا يمكنهم امتصاص زيادة التكاليف. أي زيادة في كلفة الإنتاج أو النقل غالباً ما تنتقل مباشرة إلى سلسلة التوريد”. وهذا يعني أن ارتفاع تكاليف الطاقة أو الشحن سيؤدي إلى رفع الأسعار من قبل المصانع والموزعين، وصولاً إلى الصيدليات والمستهلك النهائي.

شبح النقص في الأدوية

لا يقتصر الخطر على ارتفاع الأسعار فحسب، بل يمتد ليشمل احتمال مواجهة نقص حاد في بعض الأدوية إذا استمرت اضطرابات سلاسل الإمداد لفترة طويلة. تُبرز الدكتورة سوكال نقطة ضعف حرجة في النظام العالمي لصناعة الأدوية، وهي أن بعض المكونات الدوائية الفعالة تُنتج في عدد محدود جداً من المصانع.

وتؤكد أنه في بعض الحالات، يتم تصنيع ما يقارب ثلث المكونات الفعالة للأدوية الجنيسة في منشأة واحدة فقط حول العالم. هذا الواقع يعني أن “أي اضطراب في الإنتاج أو النقل قد يؤثر بسرعة على توافر الدواء”. وتضيف أن الشركات عادة ما تحتفظ بمخزون احتياطي “يكفي لمدة 30 إلى 60 يوماً فقط”. وإذا طال أمد الأزمة، “قد تبدأ نواقص حقيقية في الأدوية بالظهور”.

دروس من جائحة كورونا

عاشت الولايات المتحدة تجربة مشابهة خلال جائحة كورونا، حيث أدت الإغلاقات وقيود التصدير التي فرضتها بعض الدول إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد الطبية. وتعتبر الدكتورة سوكال أن الجائحة كشفت مدى اعتماد الولايات المتحدة على الإنتاج الخارجي. ففي إحدى المراحل، فرضت الهند قيوداً مؤقتة على تصدير بعض الأدوية لتأمين احتياجاتها الداخلية، مما دفع واشنطن إلى إعادة التفكير في أمن الإمدادات الطبية.

خيارات المستقبل: إعادة التوطين والتحديات

في السنوات الأخيرة، تصاعد النقاش في الولايات المتحدة حول إعادة جزء من صناعة الأدوية إلى الداخل. وتشمل المقترحات المطروحة تقديم حوافز للمستشفيات لشراء الأدوية المصنّعة محلياً، كما تعمل إدارة الغذاء والدواء (FDA) على تسريع الموافقات للمصانع الأمريكية الراغبة في إنتاج المكونات الدوائية الفعالة.

لكن الدكتورة سوكال تحذر من أن إعادة التصنيع بالكامل إلى الولايات المتحدة ليست حلاً بسيطاً، مشيرة إلى أن “صناعة الأدوية أصبحت شديدة العولمة، وبعض التقنيات والخبرات المتخصصة موجودة خارج الولايات المتحدة”.

خاتمة: مستقبل غامض

حتى الآن، لم تظهر مؤشرات واسعة على ارتفاع أسعار الأدوية بسبب التوترات الجيوسياسية الراهنة، لكن الخبراء يؤكدون أن الخطر الحقيقي يكمن في مدة الأزمة. فإذا بقيت الاضطرابات محدودة وقصيرة الأمد، قد تتمكن الشركات من التكيف عبر طرق شحن بديلة أو الاستفادة من المخزونات الاحتياطية. أما إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، فقد تتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة نظام الإمدادات الدوائية العالمي على الصمود. في عالم يزداد ترابطاً واعتماداً على التجارة الدولية، قد يكون الطريق بين مضيق بحري حيوي في الخليج ورفوف صيدلية أمريكية أقصر مما نتصور.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *