تصعيد التوترات في الشرق الأوسط: واشنطن بين الخيارات العسكرية والدبلوماسية المتوازية
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وصلت قوات المارينز الأمريكية إلى المنطقة، بينما تستعد الفرقة 82 المحمولة جواً للانتشار. تظل واشنطن مترددة بشأن مسار عملها المستقبلي، حيث تتراوح الخيارات المطروحة بين توجيه ضربة لمرفق تصدير النفط الإيراني الرئيسي، أو السيطرة على جزيرة متنازع عليها في الخليج، أو إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة. بالتوازي مع هذا الحشد العسكري، يُفتح مسار دبلوماسي في إسلام أباد، مع إمكانية توجه نائب الرئيس جي دي فانس إلى باكستان أو تركيا للقاء مسؤولين إيرانيين. وفي حين تتواصل إيران عبر وسطاء، فإنها لا تزال منخرطة في صراعات إقليمية. هذا الأسبوع أيضاً، يسلط تحقيق لشبكة MBN الضوء على التطورات في العراق، بينما يحذر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة من أن 45 مليون شخص إضافي حول العالم يتجهون نحو الجوع، مشيراً إلى أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية هو الأسوأ منذ جائحة كوفيد-19. ساهم في إعداد هذا التقرير كل من مصطفى سعدون، غسان تقي، وأحمد العلمي.
إشارات واشنطن: التخطيط مقابل القرار
مع تدفق القوات البرية الأمريكية إلى المنطقة، قدم البنتاغون للبيت الأبيض مجموعة من الخيارات الاستراتيجية. تشمل هذه الخيارات ضرب جزيرة خرج، التي تعد محطة تصدير النفط الرئيسية في إيران، أو استهداف جزيرة أبو موسى المتنازع عليها ذات الموقع الاستراتيجي، أو تأمين مخزونات اليورانيوم، أو إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة. لم يعلن الرئيس دونالد ترامب بعد عن نواياه النهائية.
في هذا السياق، يشير أحد موظفي لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إلى أن المسؤولين الأمريكيين لا يعتبرون الاتصالات الحالية مع إيران مفاوضات حقيقية، مضيفاً أن واشنطن تدخل “مرحلة أكثر من التنسيق العميق” مع إسرائيل بهدف تدمير قدرات إيران الصاروخية. من جانبه، صرح وزير الخارجية ماركو روبيو في 27 مارس بأن الأهداف تتحقق دون الحاجة إلى قوات برية، وأن العملية يجب أن تُقاس “بالأسابيع لا بالأشهر”. قد يكون الهدف من هذا التصريح طمأنة الرأي العام الأمريكي بأنه لن تكون هناك حرب على غرار العراق، لكنه في الوقت نفسه يترك المجال مفتوحاً لأسابيع من التصعيد.
يكشف الانقسام الداخلي في واشنطن عن نفسه بوضوح. فوفقاً للسيناتور الديمقراطي كريس كونز، أبلغ مسؤولون في البنتاغون أعضاء مجلس الشيوخ في جلسات مغلقة أن الأيام الستة الأولى من العمليات كلفت 11.3 مليار دولار، وهو رقم لا يشمل التحشيد العسكري السابق للضربة ولا تعويض المعدات المفقودة. تحذر وزارة الخزانة والمجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض من أن إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع طويل الأمد في الأسعار للمستهلكين الأمريكيين. وفي المقابل، يسعى مستشارا الرئيس سوزي وايلز وكريس لاسيفيتا إلى دفع ترامب لإعلان النصر والانسحاب، حسبما أفادت رويترز. بينما يدافع وزير الدفاع هيغسيث أمام الكونغرس عن طلب تمويل إضافي للحرب بقيمة 200 مليار دولار. ويصف أحد المسؤولين الكبار نائب الرئيس فانس بأنه “متشكك، وقلق بشأن النجاح، ويعارض الحرب ببساطة”.
بعد هذه الإحاطات، أعرب مشرعون من الحزبين عن قلقهم من غياب استراتيجية واضحة وخطة خروج. ويجري حالياً نقاش حاد في الكابيتول حول صلاحيات الحرب. يروج ترامب يوماً لخطاب “ضرب إيران بقوة ماحقة”، ثم يؤجل ضرب محطات الكهرباء الإيرانية بعد خمسة أيام، مشيراً إلى وجود “محادثات جيدة ومثمرة للغاية”. تنفي إيران علناً حدوث هذه المحادثات. يبقى الحشد العسكري حقيقياً، لكن ما إذا كان ورقة ضغط أم بداية تنفيذ، فهذا ما لم تحسمه واشنطن بعد.
خاص للحرة – MBN: العراق: الجبهة المنسية
بينما يتركز اهتمام العالم على مضيق هرمز، تتكشف أزمة أقل صخباً ولكنها لا تقل خطورة في العراق. خلال أسبوع واحد، احتلت ميليشيات مستشفى تابعاً للجيش العراقي، وقُتل قادة إيرانيون في حي ببغداد، وتخلت الحكومة العراقية بهدوء عن سلطة عسكرية لفصائل لا تستطيع السيطرة عليها. الخلاصة الوحيدة من هذه التطورات هي أن أركان العراق تهتز بشدة بسبب هذه الحرب.
السجن: تهديد الهروب الجماعي
يراقب مسؤولون استخباراتيون في بغداد تهديداً متنامياً يتمثل في احتمال حدوث فرار جماعي من سجن كروبر، حيث يُحتجز 5500 من عناصر داعش المصنفين “شديدي الخطورة”، وهم يتابعون الحرب عن كثب. يقع السجن بجوار معسكر فيكتوري، القاعدة الأميركية التي تستهدفها الفصائل الموالية لإيران بالصواريخ والطائرات المسيّرة. في كل مرة يسقط فيها مقذوف، يهتف السجناء “الله أكبر”. وقال ضابط في وزارة الداخلية لـ MBN إن أحد المعتقلين الكبار صرح خلال استجواب في منتصف رمضان بأنه يتوقع أن يُفرج عنه “في أي لحظة” إذا أصاب صاروخ البوابة الرئيسية.
يدرك المسؤولون الأمنيون خطورة هذا السيناريو. ففي عام 2013، أدى هجوم منسق على سجن أبو غريب إلى هروب مئات من معتقلي القاعدة، انضم كثير منهم لاحقاً إلى داعش، الذي سيطر خلال أشهر على ثلث العراق. أكد مصدر في مكتب رئيس الوزراء لـ MBN أن المعلومات الاستخباراتية تشير إلى أن السجناء يناقشون بنشاط كيفية استغلال القصف. وقال مصدر آخر في مركز العمليات الوطني إن الإجراءات الأمنية الحالية لا تتناسب مع حجم التهديد. وحذر الباحث حيدر الساعدي من أن حراساً فاسدين سهّلوا سابقاً تهريب الهواتف المحمولة، مما يربط السجناء بشبكات خارجية. بينما تواصل الولايات المتحدة إضعاف شبكة وكلاء إيران في العراق، لا يوجد في واشنطن من يشرح ما الذي سيملأ الفراغ إذا خرج 5500 من عناصر داعش.
المستشفى: استهداف منشأة عسكرية عراقية
نقل عناصر من كتائب حزب الله بالقوة أربعة مقاتلين جرحى إلى منشأة طبية تابعة للجيش العراقي في قاعدة الحبانية الجوية بمحافظة الأنبار، حسبما أفاد عقيد في الجيش العراقي. لم يتمكن العسكريون من إخراج عناصر الميليشيا أو مغادرة المنشأة، نظراً لارتفاع المخاطر. ولاحقاً، أدى قصف جوي على المنشأة إلى مقتل سبعة جنود عراقيين وإصابة 13 آخرين، في أول استهداف لمنشأة عسكرية عراقية في هذا النزاع. نفى العميد تحسين الخفاجي لـ MBN أن تكون عناصر من الفصائل تختبئ داخل الثكنات العسكرية. في المقابل، قال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية إن الحكومة العراقية فشلت في تقديم بيانات مواقع موظفيها غير المقاتلين لضمان سلامتهم.
الضربة: مقتل قيادي إيراني في بغداد
أكد تحقيق لـ MBN حول ضربة 17 مارس في حي الجادرية ببغداد مقتل شخصية إيرانية بارزة تُعرف فقط باسم “عبدالله”، وتبين أنه نائب رئيس عمليات الحرس الثوري الإيراني في العراق. كان المنزل المستهدف مركز تنسيق يربط الحرس الثوري بالميليشيات العراقية، بما فيها كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء، وفصائل أخرى. قال أحد سكان المنطقة إن المنزل كان يبدو كمكتب استشاري مدني، لكنه كان يشهد “نشاطاً مريباً ومركبات مظللة النوافذ”. وأكدت مصادر في وزارة الداخلية نقل جثامين خمسة من الحرس الثوري إلى إيران عبر منفذ المنذرية.
الأمر: تفويض الميليشيات بالرد
منح مجلس الأمن الوطني الوزاري جميع الوحدات العسكرية، بما فيها الحشد الشعبي، صلاحية الرد على الهجمات دون الرجوع إلى القيادة المركزية. سابقاً، كانت كل وحدة عسكرية تحتاج إلى موافقة قيادة العمليات المشتركة، وقد أُلغي هذا الشرط. قال مصدر مقرب من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إن القرار صدر “على مضض”، تحت ضغط داخلي شديد من الفصائل الموالية لإيران. رسمياً، لا تزال الحكومة في موقع القيادة، لكن فعلياً، أصبحت الزناد بيد الميليشيات.
إشارات دبلوماسية: مسارات متوازية
بينما يصف وزير الدفاع هيغسيث الحملة بأنها واحدة من أكثر العمليات العسكرية حسمًا “في التاريخ المسجل”، يبرز مسار دبلوماسي موازٍ على بُعد 7,000 ميل. فقد اجتمع وزراء خارجية باكستان والسعودية وتركيا ومصر في إسلام أباد يومي 29 و30 مارس، بدعوة من وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، دون حضور أي ممثلين عن الولايات المتحدة أو إسرائيل. وأعلن دار أن باكستان ستكون “مُشرّفة باستضافة وتسهيل محادثات ذات مغزى بين الطرفين للتوصل إلى تسوية شاملة ودائمة”. كما أبدت الصين دعمها الكامل لجهود الوساطة الباكستانية، داعية إلى بدء محادثات سلام فورية.
وقال دبلوماسي بحريني سابق لـ MBN إن مسؤولين في دول الخليج كانوا “متفاجئين” من طرح واشنطن خطة لوقف إطلاق النار أصلاً، في ظل تقارير تفيد بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمر بهجوم عسكري مكثف لمدة 48 ساعة بهدف استباق المسار الدبلوماسي الأميركي، ما يعكس أن إسرائيل تسعى لإنهاء الحرب لا للتفاوض على إنهائها. وقدم مسؤول رفيع في إدارة ترامب قراءة أكثر تشددًا، مفادها أن ترامب مستعد للتصعيد بـ”قوة غير مسبوقة” إذا لم تقبل إيران بما تسميه واشنطن “واقع موقعها في ساحة المعركة”.
وقد رفضت إيران رسمياً مقترح وقف إطلاق النار الأميركي المؤلف من 15 بنداً، والذي يتضمن تفكيك المنشآت النووية، ونقل اليورانيوم المخصب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفرض قيود على برنامج الصواريخ، ووقف دعم حزب الله وحماس والحوثيين، والاعتراف بمضيق هرمز كممر ملاحي حر مقابل رفع كامل للعقوبات. ويتعارض العرض الإيراني المضاد مباشرة مع النقطة الأخيرة، إذ تصر طهران على الاعتراف الرسمي بسيادتها على المضيق، وليس إعادة فتحه كممر حر. وقد وصف مسؤول أميركي طلبها بشكل غير رسمي بأنه “سخيف وغير واقعي”.
كما أفاد مسؤول رفيع في إدارة ترامب بأن البيت الأبيض يدرس احتمال قيام نائب الرئيس فانس بزيارة إلى باكستان أو تركيا للقاء مسؤولين إيرانيين، لكنه شدد على أن “لا شيء محسوم بعد”. ويتطلب أي لقاء من هذا النوع إعلان واشنطن وقفاً مؤقتاً للضربات. وكان الرئيس الإيراني بزشكيان قد انتقد سابقاً أن الضربات الأميركية-الإسرائيلية في يونيو 2025 جاءت بينما “كنا نسير في طريق المفاوضات الدبلوماسية”، مؤكداً أن التناقض بين “التفاوض تحت القصف” قد دمّر الثقة. يعكس اجتماع إسلام أباد محاولة قوى إقليمية فتح قنوات دبلوماسية لم تتمكن واشنطن وطهران من إيجادها بمفردهما. ومع ذلك، فإن الفجوة بين الخطاب المتشدد لهيغسيث ومطلب إيران بالسيادة على مضيق هرمز تشير إلى أن الهوة بين الطرفين لا تزال واسعة.
عين على الخليج: محاصرون، مستهدفون، وغاضبون
لم تطلب دول الخليج هذه الحرب، وتجد نفسها محاصرة بين أطراف النزاع، مستهدفة بالتبعات، وتراقب بغضب تطورات قد تهدد استقرارها وأمنها الإقليمي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق