في حقبة الثمانينيات، خلال الصراع المرير بين بغداد وطهران، كانت جزيرة خرج هدفاً متكرراً للقوات العراقية، نظراً لأهميتها الاستراتيجية كشريان حيوي لتصدير النفط الإيراني. اليوم، تعود هذه الجزيرة إلى صدارة المشهد الإقليمي، تزامناً مع حشد آلاف الجنود الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط، مما يثير تساؤلاً جوهرياً حول الدور المحتمل لخرج في استراتيجية الضغط على طهران.
الأهمية الاستراتيجية لجزيرة خرج
تُعد جزيرة خرج، التي تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، هدفاً مغرياً لأي استراتيجية تهدف إلى تقييد الإيرادات المالية الإيرانية بشكل سريع وفعال. وفي هذا السياق، يعيد الجنرال المتقاعد في سلاح الجو الأمريكي، ديفيد ديبتولا، صياغة السؤال المحوري، مركّزاً على الأثر المنشود بدلاً من مجرد القدرة العسكرية. يقول ديبتولا لـ”الحرة”: “السؤال ليس: هل يمكنكم الاستيلاء على خرج؟ بل ما الأثر الذي سيتحقق من خلاله؟”
ويشير ديبتولا إلى أن تحقيق هدف وقف أو تقييد الشحن الإيراني من الجزيرة لا يستلزم بالضرورة احتلالها، بل يمكن تحقيقه عبر وسائل أخرى مثل “الألغام التي تُلقى جواً، والهجمات بعيدة المدى، والاعتراض البحري”.
سيناريوهات التدخل العسكري والتكلفة المحتملة
قد لا تقتصر التعزيزات العسكرية الأمريكية على خيار التدخل البري المباشر. فمن المحتمل أن تهدف هذه التعزيزات إلى تأمين مضيق هرمز، أو فرض حصار بحري على الجزيرة بدلاً من السيطرة الفعلية عليها، أو حتى مجرد توسيع نطاق الدعم والردع في ساحة عمليات تتسم بالتغير السريع. ومع ذلك، يرى العديد من الخبراء العسكريين أن “السيناريو البري” يظل الخيار الأكثر تكلفة والأعلى مخاطرة.
ويُرجح هؤلاء الخبراء أن أي عملية للسيطرة على الجزيرة لن تبدأ بإنزال مفاجئ، بل ستسبقها حملة تمهيدية مكثفة تشمل ضربات جوية تستهدف مخازن الصواريخ، ومواقع الألغام، والعقد الدفاعية، بهدف شل قدرة إيران على استهداف الممرات المائية المحيطة. وقد نفذت الولايات المتحدة بالفعل، منذ منتصف مارس الجاري، ضربات على أكثر من 90 هدفاً عسكرياً في الجزيرة. وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هذه الضربات دمرت الأهداف العسكرية بالكامل، ولوّح بإمكانية استهداف البنية التحتية النفطية إذا استمرت طهران في تهديد الملاحة.
التحديات العسكرية وكلفة الاحتفاظ بالجزيرة
نقلت وكالة رويترز عن الجنرال الأمريكي المتقاعد جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، تقديره بأن السيطرة على جزيرة خرج قد تتطلب ما بين 800 إلى 1000 جندي. بيد أن هذا الرقم لا يعكس التكلفة الحقيقية للعملية برمتها. فوفقاً لخبراء عسكريين، ستحتاج أي قوة تسعى للسيطرة على الجزيرة إلى مظلة جوية فعالة، وسفن حماية، ودفاعات متطورة ضد المسيّرات والصواريخ، بالإضافة إلى خطوط إمداد مفتوحة ومؤمنة بصورة دائمة.
وتزداد الخطورة العسكرية نظراً لموقع الجزيرة الذي يقع ضمن مدى التهديد الإيراني المباشر؛ فهي لا تبعد سوى حوالي 26 كيلومتراً عن الساحل الإيراني، ونحو 483 كيلومتراً شمال غربي مضيق هرمز. ويؤكد ديبتولا أن “الاحتفاظ بها سيعرّض القوات الأمريكية لهجمات مستمرة” وسيخلق “مشكلة كبرى تتمثل في حماية القوة وإعادة الإمداد”. ويستذكر ديبتولا عملية “عاصفة الصحراء” عام 1991، مشيراً إلى أن القوات البرية لم تبدأ الحرب، بل استُخدمت في مراحلها الأخيرة، وكان ذلك ضرورياً فقط لتحقيق الهدف المعلن المتمثل في تحرير الكويت، وهو هدف تطلب سيطرة فعلية على الأرض لا يمكن للقوة الجوية وحدها أن تحققها.
ردود الفعل الإيرانية والبدائل المحدودة
تعتبر طهران أي محاولة للسيطرة البرية على جزيرة خرج “تصعيداً كبيراً”، وفقاً لديبتولا، مما قد يؤدي إلى رد إيراني أوسع نطاقاً في منطقة الخليج، “خصوصاً في مضيق هرمز”. وفي 23 مارس، حذّر مجلس الدفاع الإيراني من أن أي هجوم على سواحل إيران أو جزرها سيواجه بتلغيم الطرق البحرية في الخليج، بما في ذلك زرع ألغام عائمة من الساحل، مؤكداً أن الخليج بأكمله قد يصبح عملياً في وضع شبيه بمضيق هرمز لفترة طويلة.
وبعيداً عن خرج، تمتلك إيران محطات تصدير أخرى، لكن قدرتها على تعويض الدور المحوري للجزيرة تبقى محدودة للغاية. فميناء جاسك، الذي استثمرت فيه طهران بكثافة ليكون منفذاً بديلاً خارج مضيق هرمز ويخفف الضغط عن خرج، يرتبط بخط أنابيب من محافظة بوشهر بطاقة تصل إلى مليون برميل يومياً. ومع ذلك، لم تُسجَّل فيه سوى شحنات قليلة حتى الآن، وفقاً لتقارير. أما المحطات الأصغر، مثل سِرّي ولاڤان وسوروش، فنادراً ما تُحمَّل فيها الناقلات بكامل حمولتها. لذلك، فإن أي تعطيل كبير لصادرات النفط الإيرانية عبر خرج، لن يعني فقط خسارة موقع تصدير رئيسي، بل سيكشف أيضاً هشاشة البدائل الإيرانية، مما يجعل الجزيرة مغرية عسكرياً من جهة، وخطرة استراتيجياً من جهة أخرى.
عزت وجدي: صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يحمل درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق