صورة جوية لنهر الليطاني في جنوب لبنان، تظهر أهميته الجغرافية والاستراتيجية في المنطقة.
السياسة

نهر الليطاني: ساحة صراع استراتيجية وأبعاد جيوسياسية متجددة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

بينما تتصاعد حدة الاشتباكات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، يبرز نهر الليطاني كعنصر جغرافي محوري في الأجندة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. فقد أكدت إسرائيل سعيها لفرض سيطرة أمنية على المناطق اللبنانية الواقعة جنوب هذا النهر. وفي هذا السياق، شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على ضرورة توسيع “المنطقة العازلة” شمالاً، بينما تحدث وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن “سيطرة أمنية تمتد حتى الليطاني”. أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فقد ذهب أبعد من ذلك، داعياً إلى نقل الحدود مع لبنان لتشمل مجرى النهر. هذه التصريحات تجعل من الليطاني ركيزة جغرافية وهدفاً استراتيجياً، وقد تحوله السيطرة الأمنية الإسرائيلية على المناطق الواقعة بين مجراه والحدود إلى خط تماس جديد.

الأهداف الإسرائيلية وواقع الميدان

مع فتح حزب الله جبهة “إسناد” لدعم إيران، عاد نهر الليطاني ليتصدر المشهد كخط فاصل ميداني حيوي في جنوب لبنان. وكشف وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن خطة تهدف إلى تدمير المنازل في القرى الحدودية ومنع عودة سكانها، بالإضافة إلى استهداف الجسور. وقد طالت الضربات الإسرائيلية بالفعل عدة جسور حيوية، منها الدلافة، القاسمية، قعقعية الجسر، الزرايرية-طير فلسيه، والخردلي، في محاولة واضحة لقطع خطوط الإمداد وإعادة تشكيل المشهد الميداني.

المزايا الجغرافية لنهر الليطاني

وفقاً للعميد المتقاعد سعيد القزح، الخبير العسكري والاستراتيجي، يقدم النهر ميزتين استراتيجيتين لإسرائيل. أولاً، تتيح السيطرة على النهر إبعاد الصواريخ قصيرة المدى (التي يصل مداها إلى حوالي 22 كيلومتراً) عن الحدود الشمالية لإسرائيل، وتقلل من خطر الصواريخ المباشرة (بمدى يصل إلى نحو 10 كيلومترات). ثانياً، يشكل النهر منطقة عازلة طبيعية بفضل طبيعته الوعرة وما يحيط به من وديان ومنحدرات، مما يمنح أفضلية استخبارية على محيط واسع يمتد حتى الجليل. ويضيف القزح أن المسافة بين النهر والبلدات الجنوبية اللبنانية تتراوح بين 6 و30 كيلومتراً، مما يوفر لإسرائيل عمقاً أمنياً واسعاً في حال السيطرة على المنطقة. ويؤكد أن الاعتماد على حدود طبيعية واضحة، كالأنهار، يفضل على الخطوط الاصطناعية المستقيمة، لما يوفره المعلم الطبيعي من وضوح ميداني وتسهيل للمراقبة الجوية والبرية.

السيادة المائية اللبنانية: موقف ثابت

في المقابل، أكدت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، في تصريح لموقع “الحرة”، رفضها القاطع للمساس بسيادة لبنان على موارده المائية أو أي انتقاص من إدارته لها. وشددت المصلحة على أن السيادة المائية للبنان “غير قابلة للتجزئة، ولا يمكن إخضاعها لأي تقسيم جغرافي أو ظرفي”، معتبرة أن أي طرح لفصل الأحواض المائية أو التعامل معها كوحدات منفصلة “هو طرح مرفوض علمياً وقانونياً، ويشكل مساساً بوحدة المورد الوطني”.

وبينما كان نهر الليطاني يُدرج، وفقاً لمراقبين، ضمن الأهداف المائية لإسرائيل، يرى العميد القزح أن هذا البعد لم يعد مطروحاً حالياً، نظراً لأن “البدائل المائية المتاحة من جبل الشيخ ومناطق أخرى باتت كافية لتلبية احتياجات إسرائيل“.

ويُعدّ نهر الليطاني أطول وأكبر أنهار لبنان، حيث يمتد لنحو 170 كيلومتراً، وتُقدر موارده المائية بحوالي 750 مليون متر مكعب سنوياً. وينبع من ينابيع العليق، على بعد نحو 10 كيلومترات غرب مدينة بعلبك، على ارتفاع حوالي ألف متر، قبل أن يشق طريقه عبر سهل البقاع من الشمال إلى الجنوب، محافظاً على مستوى يتراوح بين 800 و1000 متر.

نهر الليطاني: لمحة تاريخية وجغرافية

منذ سبعينيات القرن الماضي، ارتبط اسم النهر بعملية عسكرية إسرائيلية واسعة عُرفت بـ”عملية الليطاني”، استهدفت منظمة التحرير الفلسطينية لإبعاد مقاتليها عن الحدود الشمالية لإسرائيل، وفق ما يشير الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية بديع قرحاني. لاحقاً، أنشأت إسرائيل “المنطقة الأمنية” في جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000، قبل أن تنسحب، ليُرسم بعدها الخط الأزرق من قبل الأمم المتحدة كخط فاصل بين الجانبين، وهو ما شكل أساس القرار الدولي 1701 الذي أنهى حرب عام 2006.

ويشير القزح إلى أن “نهر الليطاني اكتسب بموجب هذا القرار شرعية دولية كحدّ لمنطقة تمتد حتى الخط الأزرق، على أن يقتصر الوجود فيها على الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل”. غير أن هذا الواقع لم يُطبق فعلياً، مع استمرار وجود بنية عسكرية لحزب الله جنوب النهر، كما برز خلال حربي “إسناد” غزة وإيران. يذكر أن الحكومة اللبنانية تعهدت في عام 2024 بتنفيذ القرار 1701، وأعلن الجيش اللبناني في يناير الماضي أنه بسط السيطرة العملياتية على جنوب البلاد، إلا أن معارك اندلعت لاحقاً بين إسرائيل ومقاتلي الحزب على الحدود. وترافقت الضربات الإسرائيلية الأخيرة مع إنذارات إخلاء لسكان مناطق جنوب النهر. وتبلغ المساحة الكلية لمنطقة جنوب الليطاني حوالي 850 كيلومتراً مربعاً، وكان يقطنها قبل الحرب، وفق تقارير عدة، نحو 200 ألف نسمة، 75 بالمئة منهم من الطائفة الشيعية.

التداعيات المحتملة والخيارات المحدودة

تسعى بيروت إلى منع إقامة منطقة عازلة، وهي مساحة تفصل مادياً بين قوتين متنازعتين أو أكثر. وفي إطار هذا المسعى، يكثّف لبنان تحركه الدبلوماسي على الساحة الدولية. ومؤخراً، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام اتصالاً بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، محذراً من خطورة التهديدات الإسرائيلية ومطالباً بتدخل دولي عاجل. وأوضح سلام أنه طلب من وزير الخارجية تقديم شكوى فورية أمام مجلس الأمن.

تحديات بيروت الدبلوماسية والداخلية

غير أن هذا المسار الدبلوماسي يصطدم بواقع داخلي معقد يحدّ من قدرة الدولة على التأثير الميداني. ويشرح القزح أن “الأدوات العملية المتاحة على الأرض تقتصر على الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي”، مشدداً على أن “الحفاظ على وحدة الموقف الداخلي يبقى شرطاً أساسياً لتعزيز موقع لبنان التفاوضي. أما أي خلل أو تراجع في التماسك الوطني فسيضعف موقفه أمام الوسطاء والأمم المتحدة وإسرائيل”. من جهته، يرى قرحاني أن “تركيبة النظام السياسي الطائفي تجعل الأحزاب أقوى من الدولة، ما يزيد صعوبة معالجة الأزمة داخلياً، خصوصاً في ظل محدودية الإمكانات”. ومع ذلك، يشير إلى أن “سقوط مشروع إيران الكبرى من خلال ضربها مباشرة وضرب أذرعها في المنطقة، يفتح الباب أمام رهانات جديدة على وعي المسؤولين والنخب اللبنانية لا سيما الشيعية، لإجبار حزب الله على الانخراط في العمل السياسي والتخلي عن السلاح”.

الآثار الاستراتيجية والاجتماعية

لا تقتصر تداعيات التصعيد عند حدود الميدان العسكري، بل تمتد إلى عمق البنية الاجتماعية والسياسية في لبنان، لاسيما مع إعلان كاتس أن مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان الذين نزحوا لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم، إلى حين ضمان الأمن الكامل لسكان شمال إسرائيل. وفي هذا الإطار، يشير قرحاني إلى أن “حزب الله يواجه خسارة استراتيجية كبيرة نتيجة إبعاده عن جنوب نهر الليطاني، المنطقة التي شكلت لسنوات قاعدة أساسية لتحضيراته الميدانية لدخول شمال إسرائيل”. وعلى الصعيد الداخلي اللبناني، يحذر قرحاني من تداعيات اجتماعية وسياسية خطيرة، في ظل نزوح واسع لسكان المناطق الجنوبية، غالبيتهم من الطائفة الشيعية، ما يفاقم الأزمة في بلد منقسم سياسياً بشكل حاد. من جهته، يرى القزح أن أي توسع إسرائيلي نحو الليطاني “سيقوض العمق العملياتي للحزب، ويمنح الجيش الإسرائيلي قدرة أكبر على استهداف مخازن الأسلحة وتعزيز أمن شمال إسرائيل. وفي المقابل، ستكون كلفة هذا السيناريو مرتفعة على لبنان، سواء من خلال خسارة أراضٍ، أو تغييرات ديموغرافية نتيجة منع عودة السكان، إضافة إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة”. وتعتبر إسرائيل أن توسيع “المنطقة العازلة” خطوة ضرورية لفرض واقع أمني جديد، يقوم على منع تسلل عناصر حزب الله، وقطع الطريق أمام أي محاولة لإعادة بناء ترسانته، وبالتالي حماية سكان شمالها من أي تهديد محتمل.

مستقبل مفتوح: بين التصعيد والتسوية

في ضوء هذا المشهد المعقد، لا تبدو السيطرة على جنوب نهر الليطاني هدفاً عسكرياً مرحلياً فحسب، بل تتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية طويلة الأمد. ووفق تقديرات القزح، “من المتوقع ألا يحصل أي انسحاب إسرائيلي إلا بشروط واضحة تشمل نزع سلاح حزب الله، وبسط الدولة اللبنانية سلطتها على كافة أراضيها، وتوقيع اتفاقية سلام على غرار السلام مع مصر أو الأردن، أي السلام مقابل الأرض”. وبدوره، يتوقع قرحاني أن تتحول السيطرة على جنوب الليطاني إلى “واقع طويل الأمد، وتستخدم كورقة ضغط سياسية وعسكرية على الدولة اللبنانية، في ظل فشلها في حصر السلاح بيدها”. ومع ذلك، يرى أن “الإشارة الإيجابية تكمن في أن المسؤولين الإسرائيليين لا يتحدثون عن احتلال دائم لجنوب النهر بقدر ما يركزون على حماية سكان شمال إسرائيل”، مشدداً على أن مسار الأمور مرتبط بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها على كامل أراضيها واتخاذ قرار الحرب والسلم. وفي المقابل، يؤكد حزب الله أنه سيقاتل لمنع القوات الإسرائيلية من السيطرة على جنوب لبنان، واصفاً هذا التحرك بأنه “تهديد وجودي” للدولة اللبنانية. بين التصعيد والمواجهة، يظل نهر الليطاني أكثر من مجرد مجرى مائي؛ لقد بات خط تماس مفتوحاً على كل الاحتمالات.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *