صورة توضيحية لمخطوطة أو رمز يمثل الدولة الإسلامية المبكرة
السياسة

تطور الشرعية السياسية في الإسلام: دروس من عهد النبوة والخلافة الراشدة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

إن التجربة السياسية النبوية شكلت منعطفاً تاريخياً في الارتقاء بالاجتماع السياسي العربي، حيث انتقلت به من الولاءات القبلية الضيقة إلى إطار أوسع وأكثر شمولية. يتميز النموذج الإسلامي، في ممارسته للسلطة وإدارتها، بدمجه الفريد بين المقدس والنسبي، وهو ما تجلى بوضوح خلال عهد النبوة والخلافة الراشدة، ليصبح بذلك نموذجاً معيارياً تسعى إليه التجارب السياسية الأخرى.

أولاً: شرعية بناء السلطة وتأسيسها

تُعد بيعتا العقبة الأولى والثانية محطتين مفصليتين في انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم من الإطار القبلي إلى الجماعة المؤمنة. تلا ذلك الهجرة إلى المدينة المنورة وصياغة وثيقة المدينة، التي أرست الأسس لانتقال آخر من الجماعة إلى الأمة.

قبل الإسلام، كانت القبيلة هي الوحدة السياسية والاجتماعية الأساسية في شبه الجزيرة العربية. مع بزوغ الدعوة النبوية، تشكلت جماعة المؤمنين التي كانت تجتمع سراً، لتكون النواة الصلبة للأمة، وتتوسع لاحقاً لتشمل أفراداً يربطهم الإيمان الطوعي واليقين بصدق الرسالة النبوية.

مثلت الهجرة إلى المدينة تحولاً جذرياً في تشكيل المجتمع السياسي الإسلامي. كانت يثرب، بتركيبتها القبلية، مهيأة لاستقبال فكرة السلطة ضمن تجمع سياسي. وقد أسهمت هذه الظروف في نجاح تأسيس الدولة الوليدة، حيث جاءت صحيفة المدينة كإعلان رسمي للدولة، ونقطة تحول أساسية في تاريخ الأمة السياسي. هذه الوثيقة لم تقتصر على تنظيم شؤون المسلمين، بل شملت من تبعهم وانضم إليهم، بمن فيهم اليهود الذين ورد ذكرهم في حوالي ثلث بنود الصحيفة، مع تحديد حقوقهم وواجباتهم كجزء من هذه الأمة الواحدة.

لم يعمل النبي صلى الله عليه وسلم على إلغاء البنى الاجتماعية القائمة كالقبيلة، بل عمل على تذليلها وصهرها ضمن إطار الأمة، لتكون رافداً من روافدها، مستبدلاً عصبية الدم بنصرة الحق، ومؤسساً للولاء للأمة ومرجعيتها. لقد كانت صحيفة المدينة أول وثيقة سياسية تعاقدية، بمثابة دستور ينظم علاقة المسلمين فيما بينهم، وعلاقتهم بغير المسلمين، مؤسسة بذلك لمفهوم المواطنة المبكرة في المجتمع الإسلامي.

إن بناء الأمة على عقيدة التوحيد، وتوسعها تعاقدياً، سرّع الحاجة إلى سلطة تقوم على أساس شرعي، يهدف إلى إقامة الدين والدنيا، وتنزيل مهمة الاستخلاف. ومع انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، برزت الحاجة لملء الفراغ السياسي. لم يوصِ النبي صلى الله عليه وسلم لشخص معين بالإمامة، بل ترك الأمر شورى بين المسلمين. هذا الإعراض عن التعيين كان إيذاناً بأن هذا الشأن هو تدبير جماعي، يعود فيه الاختيار لصاحب السلطة الأصلي، وهي الأمة الموكل لها بالخلافة في الأرض. وقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم لمبدأ البيعة كآلية تعاقدية للسلطة السياسية، حيث تنبثق هذه السلطة عن الأمة تفويضاً، مما يميزها عن السلطة في الدولة الدينية.

ثانياً: شرعية ممارسة السلطة وتدبيرها

يتميز النموذج الإسلامي في ممارسة السلطة وتدبيرها بجمعه بين المقدس والنسبي. يتجلى هذا التمايز بين السياسة والشرع، دون استقلالية تامة، في تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم كإمام، وفي ممارسات الخلفاء الراشدين. إن شرعية السلطة تتعزز أو تضعف بمدى تصديها لوظائفها، حيث أن الوظيفة السياسية هي محصلة لتطبيق المبادئ والقيم على الواقع الاجتماعي المتغير.

تُختبر شرعية السلطة الوظيفية عند انتقالها من النص إلى الواقع، أي عند تنزيل المقدس على الواقع، مع تحري مصالح العباد في الدارين، في إطار من النص والمقاصد العامة، وهو مسعى يبقى بشرياً. فالعلاقة بين السياسة والشريعة هي علاقة تمايز دون استقلالية، لاشتمالها على بعدي البشري النسبي والنصي المطلق. كما أن المجال السياسي ينشأ عن الاجتهاد البشري، ومصدره الإنسان الذي قد يختلف في تقدير وتدبير قضاياه، كما اختلف الرعيل الأول. ووحدة الأمة عقدياً لا تلغي إمكانية اختلافها سياسياً.

تنوعت تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بين ما هو تشريع واجب الاتباع، وما هو فتيا خاصة بحال المستفتي، وما هو قضاء وفق ظاهر الحال، وما هو إمامة وسياسة. وقد عرف القرافي (ت684هـ) هذا الأخير بأنه “وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء”، ينظر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم نظر الحاكم الذي يتحرى المصلحة العامة، فتكون تصرفاته هذه مرتبطة بتدبير الواقع.

هذا التمييز في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم يُعد مدخلاً أساسياً لفهم وبناء المنهج والنموذج في التعامل مع القضايا السياسية وإدارة السلطة. فقد تميزت تصرفاته بتحري المصلحة العامة والمقاصد الشرعية في واقع متغير، وهو ذات المنهج الذي اعتمده الخلفاء الراشدون، حيث تميزت فترتهم بتكريس النموذج النبوي في السياسة، فكانت تحرياً للمقاصد الشرعية، وعملاً بالمصالح المرسلة، وتخليقاً للسياسة.

ومع ذلك، فبقدر ما تشبثت تجربة الخلافة الراشدة بالمنهج النبوي ومثله العليا في بناء السلطة وتدبيرها، بإعلاء شأن القيم والمبادئ الشرعية، لم تستطع بلورة أطر تنظيمية وقواعد واضحة تؤسس لأعراف سياسية ثابتة تضمن استقرار السلطة واستمراريتها. ورغم ذلك، حظي رصيد الخلافة الراشدة السياسي باتفاق الصحابة، واعتبرها الفقهاء سوابق تاريخية تثبت لها صفة الشرعية بمقتضى الإجماع. أما المراحل اللاحقة، وإن نجحت في وضع حد للممارسة التعاقدية، فإنها لم تستطع إسقاط شرعيتها من الناحية المبدئية والنظرية، فبقيت قيم ومبادئ مترسخة في وجدان الأمة وعقلها السياسي، بانتظار الظروف المناسبة لتفعيلها وتنزيلها.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *