خريطة الشرق الأوسط تبرز مناطق الصراع والنفوذ الإقليمي
السياسة

العالم العربي على مفترق طرق: استراتيجيات غائبة في مواجهة التحديات الإقليمية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تُظهر التطورات الأخيرة في المنطقة، لا سيما الحرب الإسرائيلية-الأميركية، واقعاً إقليمياً معقداً يبرز ضعفاً في القدرة العربية على الصمود. فقد استنزفت الصراعات المتتالية، بما في ذلك الحروب الإسرائيلية على غزة ولبنان وسوريا، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، والخطوات نحو الضم، قدرة العالم العربي على المواجهة. إن ما تشهده المنطقة يتجاوز كونه مجرد صراع بين دول، ليتحول إلى تآكل ممنهج لنظام إقليمي لطالما اعتمد على الضمانات الأمنية الأمريكية وسياسات مجزأة وردود فعل لحظية.

فراغ استراتيجي ومشاريع إقليمية متنافسة

على مدى عقود، اتسم تعامل الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في المنطقة، من دول مجلس التعاون الخليجي الغنية بالنفط (السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، البحرين، وعُمان) إلى الأردن ومصر، مع الأزمات بالنهج الفردي. تراوح هذا التعامل بين التنسيق المتقطع والعمل في اتجاهات متعارضة، غالباً ما كانت تحركها منافسات داخلية. اليوم، لم يعد التحدي مقتصراً على جبهة واحدة. وفي هذا السياق، يرى مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق وسفير بلاده لدى إسرائيل والولايات المتحدة، أن “هناك فراغاً هائلاً في العالم العربي يملأه الجميع باستثناء العرب”. ويضيف المعشر، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن “هناك مشروعاً إيرانياً، ومشروعاً إسرائيلياً توسعياً، ومشاريع أخرى تشكل المنطقة. لكن لا يوجد مشروع عربي”. هذا الفراغ يجري تشكيله حالياً من خلال ثلاث رؤى إقليمية متنافسة، لا تنبع أي منها من استراتيجية عربية أصيلة:

  • المشروع الإيراني: يرتكز على تصدير النفوذ الثوري عبر فاعلين من خارج سلطة الدولة، وشبكات وكلاء، وحروب غير متكافئة، بهدف توسيع النفوذ وتجنب المواجهة المباشرة.
  • المشروع التركي: يعتمد على القوة الناعمة، والامتداد الأيديولوجي، وبناء نفوذ سياسي طويل الأمد، سعياً لدور قيادي في أجزاء من العالم السني، وفي إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وخارجها، عبر الثقافة والدين والشبكات السياسية.
  • المشروع الإسرائيلي:

    يسعى لفرض هيمنة عسكرية إقليمية مطلقة، وإعادة تشكيل الحدود والوقائع السياسية، وحسم القضية الفلسطينية وفق شروطه الخاصة، مما يؤثر بشكل مباشر على الأردن ومصر.

تتمتع كل من هذه المشاريع باستراتيجية واضحة، بينما يغيب هذا الوضوح عن الجانب العربي.

تداعيات الصراعات الإقليمية على الأمن العربي

لقد كشفت الحرب الإسرائيلية-الأميركية، إلى جانب الصراعات الإسرائيلية في غزة ولبنان، وعمليات الضم الصامتة في الضفة الغربية المحتلة، عن التكلفة الباهظة لغياب الاستراتيجية العربية. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، كان الدرس قاسياً وذا أبعاد وجودية. فسنوات من الشراكات الدفاعية مع واشنطن لم تكن كافية لصد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت البنية التحتية الحيوية والأهداف المدنية. لقد اهتز الاعتقاد بإمكانية “الاستعانة بمصادر خارجية للأمن” من أساسه. في المقابل، اتضحت أولويات الولايات المتحدة، حيث تم توجيه الموارد العسكرية أولاً نحو إسرائيل عند اشتداد الضغط. هذا الواقع يستدعي إعادة تقييم شاملة، فقد تزايد الشك محل الثقة، وتنامى شعور بالتخلي. وكما صرح مسؤول أمني إقليمي رفيع، “كان لدينا اتفاقيات وقواعد وتفاهمات — لكن عندما سقطت الصواريخ، تُركنا لنتحمل الصدمة وحدنا”. تظل المعضلة الاستراتيجية قائمة؛ فالولايات المتحدة قد تنخرط ثم تنسحب، وإسرائيل قد تصعّد ثم تفرض وقائع جديدة، بينما تُترك الدول العربية لإدارة تداعيات التهديدين الإيراني والإسرائيلي.

تحديات وجودية للأردن ومصر

تجد هذه المجموعة من الدول، التي يُشار إليها أحياناً بـ”تحالف الاعتدال” أو “تحالف الاستسلام” من قبل منتقديها، نفسها أمام اختبار حاسم: هل يمكنها تنسيق موقف موحد وواضح تجاه التحديين الإيراني والإسرائيلي دون الدخول في صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية الحالية؟ يبرز انقسام واضح بشأن الحرب المتصاعدة مع إيران؛ فبينما يوجد توافق واسع على ضرورة كبح القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، يغيب الوضوح حول كيفية إنهاء هذه الحرب أو حتى مبررات اندلاعها. وفي ظل غياب تفسيرات موثوقة، تستحضر الدول العربية سيناريو العراق بعد حرب 2003، التي أطاحت بنظام صدام حسين لكنها خلفت دولة مفككة وصراعاً طائفياً طويلاً. إن انهيار الدولة الإيرانية قد يؤدي إلى عدم استقرار إقليمي طويل الأمد، بينما بقاء نظام ضعيف قد يدفعه للانتقام عبر الوكلاء وزعزعة الاستقرار. في الأثناء، تتزايد التحضيرات لصدمة إسرائيلية ثانية. ويؤكد المعشر على أن “الموقف الموحد ضروري”.

دعوة لبلورة استراتيجية عربية موحدة

لقد أسفرت حرب إسرائيل المستمرة منذ عامين ونصف على قطاع غزة عن جعل أجزاء واسعة منه غير صالحة للحياة، وبات أكثر من 50% من مساحته تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. أما الضفة الغربية، التي تمثل عمقاً استراتيجياً للأردن، فتشهد عملية خطيرة تتمثل في تكريس السيطرة الإقليمية عبر الضم القسري، وتفتيت الأراضي، وتصاعد عنف المستوطنين، مما يقوض فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. يمثل هذا الوضع تهديداً وجودياً للأردن، حيث يشكل المواطنون من أصول فلسطينية نسبة كبيرة من السكان. وبالنسبة لمصر، فإن احتمال تدفق الفلسطينيين من غزة يطرح تحدياً مختلفاً لكنه لا يقل خطورة. هذه الأزمات ليست منفصلة، بل هي ديناميكيات متداخلة تتطلب استجابة موحدة، وهو ما لا يزال غائباً على الصعيد العربي.

من الأقوال إلى الأفعال: ضرورة التحرك العربي

إن المطلوب ليس بالضرورة تشكيل تحالف عسكري، بل إطار سياسي-أمني منسق يضم الدول العربية الثماني المعنية، يكون قادراً على تحديد المصالح والمخاطر المشتركة والتحرك بناءً عليها. يتطلب ذلك عدة محاور أساسية:

  1. موقف موحد تجاه إيران: يجب التوصل إلى موقف عربي موحد يدعم الأهداف المعلنة للحرب، والمتمثلة في إسقاط النظام الإيراني وتدمير قدراته النووية والعسكرية بالكامل، لضمان عدم قدرة طهران على زعزعة الاستقرار الإقليمي مستقبلاً. وفي هذا الصدد، حذر مسؤول أمني إقليمي من أن “إذا لم تحقق الحرب أهدافها المعلنة، فإن تأثيرها على دول الخليج سيكون أكبر مما كان قبلها، لأن النظام سيصبح أكثر عدوانية. علينا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب والانتقام”. وأضاف: “سيغادر الأميركيون والإسرائيليون، وسيقولون لنا: تولّوا أنتم إدارة التداعيات، لأنكم رفضتم الانضمام إلى حربنا”.
  2. خط أحمر ضد ضم الضفة الغربية: يتعين رسم خط أحمر واضح وملزم جماعياً ضد أي ضم للضفة الغربية أو أي شكل من أشكال التهجير القسري للفلسطينيين، واعتبار ذلك ليس مجرد قضية سياسية، بل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي.
  3. إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة: يجب إعادة تقييم العلاقة مع واشنطن، مع الحفاظ على الروابط الاستراتيجية، ولكن بتقليل الاعتماد عليها، وطرح أولويات إقليمية عربية أكثر وضوحاً.

إن ما هو مطلوب يتجاوز مجرد تحديد المواقف إلى الفعل الحقيقي. وهذا يستلزم تنسيق الإشارات الاقتصادية والدبلوماسية، وتوضيح أن أي ضم إضافي أو زعزعة للاستقرار ستترتب عليه تبعات إقليمية ملموسة. كما يعني استثمار العلاقات القائمة، بما في ذلك اتفاقيات التطبيع، كأدوات نفوذ فاعلة بدلاً من كونها مجرد أطر سلبية. ويتطلب أيضاً تجميع الموارد الأمنية والاستخباراتية والاستراتيجية، بحيث لا يعتمد الردع كلياً على الأطراف الخارجية، بل يُبنى جزئياً من داخل المنطقة. الهدف ليس مواجهة واشنطن أو الدخول في صراع مفتوح مع إسرائيل، بل بلورة موقف عربي يتمتع بالمصداقية لأنه ينبع من إرادة جماعية.

الأردن في قلب العاصفة: دور محوري ومخاطر متصاعدة

بالنسبة للأردن، تتجلى المخاطر بشكل فوري ومباشر، فهو يقع في صميم أكثر قضايا المنطقة حساسية وتقلبًا: مستقبل الضفة الغربية، خطر التهجير القسري، وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. استقرار الأردن لا يمثل شأناً وطنياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية للمنطقة بأسرها. يستضيف الأردن اليوم القاعدة الأمريكية الرئيسية في الشرق الأدنى، بينما تحولت سوريا ولبنان والعراق إلى بيئات غير آمنة. وحتى إسرائيل، تجد أن مساحة تحرك طائراتها العسكرية بحرية محدودة. وكما صرح أحد المسؤولين الأردنيين، “نحن بحاجة إلى التوقف عن رد الفعل والبدء بالفعل. لدينا أوراق قوة: الاستقرار، وأجهزة أمنية مجربة تخدم إسرائيل وكل دولة في المنطقة وخارجها… علينا أن نقلب هذه الأوراق. هذه هي ورقة نفطنا”.

المستقبل المحتمل في غياب الإرادة العربية

إذا استمر المسار الحالي، فإن التداعيات ستكون متوقعة: حرب قد تضعف إيران دون أن تقضي على التهديد الذي تمثله؛ انسحاب أميركي يخلف حالة من عدم اليقين؛ وتحول إسرائيلي نحو إعادة تشكيل الواقع الإقليمي والفلسطيني بطرق تؤثر مباشرة على دول الجوار. عندئذ، لن تكون تكلفة التقاعس مجرد افتراض نظري. إن العالم العربي لا يفتقر إلى الموارد أو النفوذ، بل يفتقر إلى الإرادة – الإرادة للنهوض واستعادة زمام المبادرة وتحديد مصيره.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *