مع تصاعد حدة التوترات الإقليمية، تبرز مجدداً قضية تأمين مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يشكل شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، بدأت ملامح تحرك دولي محتمل لإعادة فتح المضيق وتأمين الملاحة فيه تتضح، مع إشارة دولة الإمارات العربية المتحدة إلى استعدادها للنظر في الانخراط ضمن هذه الجهود.
الموقف الإماراتي: دعوة للتعاون الدولي
أوضح المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، أن بلاده تدرس إمكانية الانضمام إلى مساعٍ دولية تقودها الولايات المتحدة لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. وأكد قرقاش، خلال مشاركته في فعالية لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أن هذه المباحثات لا تزال في مراحلها الأولية ولم تتبلور بعد إلى خطة تنفيذية متكاملة. كما أشار إلى أن مرحلة ما بعد أي مواجهة عسكرية ستستلزم ترتيبات تحد من قدرة إيران على استخدام برامجها النووية أو الصاروخية أو تقنيات الطائرات المسيّرة كأدوات لتهديد استقرار المنطقة وأمنها.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي محمد فيصل الدوسري أن تصريح قرقاش يعكس “مقاربة إماراتية محسوبة تتجاوز الإطار الخليجي الضيق إلى نطاق الاقتصاد العالمي الأوسع، حيث لم يعد مضيق هرمز مجرد ورقة ضغط إقليمية، بل ممراً دولياً حيوياً لا يمكن تركه عرضة للتهديد أو الابتزاز”. وأضاف الدوسري أن غياب خطة نهائية متكاملة لا ينفي وجود نقاشات دولية متقدمة، مؤكداً أن الإمارات ستكون جزءاً من أي آلية دولية واسعة لضمان أمن الملاحة في حال تبلورت.
مواقف خليجية أخرى: إدانة وتحذير
على الرغم من إبداء دول خليجية أخرى مواقف حازمة إزاء التهديدات التي تستهدف حرية الملاحة، إلا أن هذه المواقف بقيت في إطار التصريحات. فقد دعت مملكة البحرين إلى استجابة دولية صارمة لحماية الملاحة في المضيق، محذّرة من “التهديدات الإيرانية بإغلاقه”، والتي اعتبرتها “مخالفة للقانون الدولي وقانون البحار”. كما شددت المنامة على “أهمية حماية الملاحة الدولية وتأمين إمدادات النفط والتجارة العالمية عبر مضيق هرمز وباب المندب”.
من جانبها، أكدت دولة الكويت رفضها القاطع لاستخدام القوة ضد السفن المدنية، معتبرة أن أي إغلاق للمضيق يمثل “انتهاكاً خطيراً واعتداءً سافراً على حرية الملاحة”، في تأكيد واضح على الالتزام بقواعد القانون الدولي البحري. ومع ذلك، ظل التفاعل الخليجي في مجمله ضمن نطاق الإدانة والتحذير، دون أن يصل إلى مستوى الانخراط العملي في ترتيبات أمنية مباشرة، باستثناء الموقف الإماراتي المعلن.
أهمية مضيق هرمز وتداعيات التوتر
يُعد مضيق هرمز من أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم. يفصل المضيق بين إيران شمالاً وسلطنة عمان جنوباً، ويربط الخليج العربي بخليج عمان والمحيط الهندي. تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال ومنتجات الأسمدة، ما يجعله عنصراً محورياً في منظومة الطاقة والتجارة الدولية.
تزيد خصائصه الجغرافية من قابليته للتأثر بالتهديدات، إذ يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 29 ميلاً بحرياً (54 كيلومتراً)، ويتكون من مسارين ملاحيين بعرض ميلين بحريين لكل منهما، أحدهما للسفن الداخلة والآخر للمغادرة، يفصل بينهما ممر عازل، فيما يصل عمق المياه إلى نحو 200 قدم. هذه الطبيعة الضيقة توفر بيئة ملائمة لعمليات الاستهداف، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو الزوارق السريعة، إلى جانب سهولة نشر الألغام البحرية.
في سياق التصعيد الجاري، تعرضت بالفعل سفن تجارية وناقلات نفط لهجمات، بالتوازي مع تقارير تشير إلى احتمال لجوء إيران إلى زرع ألغام بحرية. وقد دفع ذلك بعض شركات التأمين إلى تعليق تغطية السفن العابرة، في مؤشر واضح على ارتفاع المخاطر التشغيلية. وامتدت تداعيات تعطّل المضيق إلى ما يتجاوز قطاع الطاقة، حيث تأثرت سلاسل الإمداد وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، ما انعكس على أسعار عدد من السلع في الأسواق العالمية.
التحرك الدولي لتأمين الممر المائي
في ظل التصعيد العسكري المتواصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والذي انعكس بشكل مباشر على أمن الملاحة، أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربات باستخدام قنابل خارقة للتحصينات استهدفت مواقع صاروخية إيرانية محصنة قرب مضيق هرمز. أوضحت القيادة أن هذه المواقع كانت تضم بطاريات صواريخ “كروز” مضادة للسفن جرى نشرها حديثاً، وأصبحت تشكل تهديداً مباشراً لحركة السفن التجارية وناقلات النفط.
تراجعت حركة النقل التجاري عبر المضيق بشكل حاد مع دخول المواجهات أسبوعها الرابع، وصولاً إلى شبه توقف، ما أدى إلى اضطراب ملحوظ في أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط. وعلى الصعيد الدولي، أعلنت فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان “الاستعداد للمساهمة في الجهود اللازمة لضمان أمن المرور في المضيق”، بما في ذلك التزامها بالمشاركة في “التخطيط التحضيري”، بعد أن كانت قد امتنعت سابقاً عن الاستجابة لدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمشاركة في تأمين المضيق. كما أفادت صحيفة وول ستريت جورنال أن إدارة ترامب تدرس خيار نشر قوات من مشاة البحرية للمساهمة في إعادة فتح المضيق وتأمين الملاحة، بالتزامن مع ضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود.
تباين المواقف الخليجية: أسباب التحفظ
تعكس تفاعلات دول الخليج مع ملف تأمين مضيق هرمز تبايناً هيكلياً مرتبطاً بدرجة الاعتماد المباشر على هذا الممر. فبينما يمثل المضيق المنفذ البحري الوحيد لكل من الكويت وقطر والبحرين، ما يجعله شرياناً لا بديل عنه لتدفقات النفط والغاز والتجارة، تتمتع دول أخرى بهوامش حركة أوسع.
- الإمارات: طورت بنية موانئ خارج المضيق (الفجيرة وخورفكان)، لكن استهدافها بقصف إيراني مؤخراً كشف محدودية هذه البدائل تحت الضغط.
- السعودية: تستفيد من امتدادها على البحر الأحمر عبر موانئها الغربية (جدة وينبع)، وأطلقت خطة طوارئ لتحويل صادراتها النفطية عبر خط أنابيب إلى ينبع.
- عمان: لا يمثل المضيق نقطة حاسمة لها، لامتلاكها عدة موانئ تطل على خليج عمان وبحر العرب.
رغم هذا التفاوت، فإن الدول الأكثر ارتباطاً بالمضيق لم تنتقل إلى مستوى الانخراط العملي في تأمينه، واكتفت بمواقف سياسية قائمة على الإدانة، ما يعكس فجوة بين حجم الاعتماد الاقتصادي ومستوى التحرك الأمني.
في تفسير هذا السلوك، يشير المحلل السياسي والأمني ظافر العجمي إلى أن دول الخليج تسعى لدفع الولايات المتحدة لتحييد التهديد الإيراني دون الانخراط العسكري المباشر، تجنباً لسيناريو تصعيد قد يطال بنيتها التحتية الحيوية. ويلفت إلى أن الانخراط في تحالف عسكري قد يحقق إعادة فتحه على المدى القصير، لكنه ينطوي على مخاطر تصعيد أكبر عبر تكتيكات إيرانية غير متماثلة.
من زاوية أخرى، يرى الكاتب والمحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي أن أي مشاركة في عمليات تأمين المضيق ستُفسر كدخول مباشر في الحرب، وهو ما يفسر تحفظ الدول الإقليمية، لا سيما في ظل اتجاه قوى دولية في آسيا وأوروبا إلى تجنب الانخراط العسكري.
في المقابل، يقدم محمد فيصل الدوسري قراءة مختلفة يعتبر فيها أن إيران توظف مضيق هرمز كورقة ضغط، ما يبرر طرح فكرة تدويل مسؤولية تأمينه، وأن الطرح الإماراتي يعكس توجهاً نحو نقل الملف إلى مستوى دولي أوسع قائم على تقاسم المسؤولية.
بقلم: سكينة المشيخص (كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية)
اكتشف المزيد من الحرة
Previous: هل نحن أمام أسوأ أزمة طاقة في التاريخ؟
Next: هل تفرغ بغداد من البعثات الأجنبية؟
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق