صاروخ إيراني يحمل ذخائر عنقودية يحلق فوق القدس في خضم الصراع الإقليمي.
السياسة

إيران في مفترق طرق: غياب المرشد وصعود المجلس الثلاثي لقيادة الحرب

حصة
حصة
Pinterest Hidden

طهران في قلب العاصفة: تحولات قيادية غير مسبوقة

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية والصراع المتواصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تشهد الساحة الإيرانية تحولات قيادية لافتة. فبينما حلّق صاروخ إيراني يحمل ذخائر عنقودية فوق سماء القدس في 18 مارس 2026، وفقاً لرويترز، تتجه الأنظار نحو مراكز صنع القرار في طهران، خاصة في ظل غياب المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، ومقتل شخصيات بارزة.

لطالما مثّل منصب المرشد الأعلى أعلى هرم السلطة في إيران، حيث يجمع بين المرجعية الدينية والقيادة الفعلية للدولة، ويتمتع بصلاحيات واسعة النطاق في الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية، بما في ذلك تعيين كبار المسؤولين. إلا أن المشهد الحالي، عقب مقتل المرشد السابق علي خامنئي وتعيين نجله مجتبى خلفاً له، يثير تساؤلات حول مدى مركزية هذا المنصب في إدارة دفة البلاد.

غموض حول مصير المرشد الجديد وتصريحات أميركية

الغموض يلف مصير المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، حيث أفاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الاثنين، بعدم وضوح ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة، مشيراً إلى تقارير حول إصابته في غارة جوية. ونقلت رويترز عن ترامب قوله خلال فعالية بالبيت الأبيض: “لا نعلم… إن كان قد مات أم لا. أقول إنه لم يره أحد، وهذا أمر غير معتاد”. وأضاف: “يقول الكثيرون إنه تعرض لتشوهات شديدة، ويقولون إنه فقد ساقه… وإنه أصيب بجروح بالغة. بينما يقول آخرون إنه مات”.

المجلس الثلاثي: قيادة جديدة في زمن الحرب

في ظل هذه الظروف الاستثنائية وغياب المرشد الجديد، كشفت مصادر معارضة إيرانية لمراسل “الحرة” في إقليم كردستان – العراق، أن مجلساً ثلاثياً يتولى حالياً إدارة إيران وقيادة الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. ويترأس هذا المجلس محسن رضائي، القائد الأسبق للحرس الثوري والمستشار الحالي للمرشد مجتبى خامنئي. ويضم المجلس أيضاً كلاً من قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، مما يشير بوضوح إلى هيمنة التيار المتشدد داخل الحرس الثوري على مقاليد السلطة.

استراتيجية المجلس: الداخل والخارج

تعزيز الجبهة الداخلية

تركز القيادة الثلاثية، بحسب المصادر، على تحصين الجبهة الداخلية ومنع أي تدهور أو اندلاع انتفاضة شعبية. يتم ذلك عبر اتخاذ تدابير أمنية مشددة، بالاعتماد على قوات الباسيج (قوات التعبئة الشعبية) التابعة للحرس الثوري. وقد نفذت هذه القوات حملات اعتقال واسعة النطاق خلال الأيام الماضية، استهدفت الإيرانيين، خاصة الشباب، بتهمة التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة. كما صدرت أحكام عرفية تمنح عناصر الباسيج والقوات الخاصة في الحرس الثوري صلاحية إطلاق النار على أي تجمع أو تظاهرة أو أشخاص يعتبرون مشتبهاً بهم في الشارع.

تصعيد المواجهة الخارجية

على الصعيد الخارجي، تشمل إجراءات اللجنة الثلاثية تفعيل فيلق القدس، الجناح الخارجي للحرس الثوري، لدعم الأذرع الإيرانية المسلحة في العراق وحزب الله اللبناني. يهدف ذلك إلى شن هجمات صاروخية مكثفة وهجمات بطائرات مسيرة، بالتعاون مع القوة الجو فضائية للحرس الثوري، ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية ودول الخليج. وتعتمد هذه القيادة سياسة خارجية “خشنة” ترفض الاستسلام، مع الإبقاء على بعض القنوات الدبلوماسية للضرورة القصوى، حفاظاً على بقاء النظام.

شخصيات محورية في القيادة الجديدة

يأتي تعيين محسن رضائي على رأس هذا المجلس خلفاً لعلي لاريجاني، الذي قُتل فجر الثلاثاء في طهران بغارة جوية إسرائيلية استهدفته مع نجله وعدد من مرافقيه، وهو ما أكده مجلس الأمن القومي الإيراني في بيان له.

  • محسن رضائي: يُعد من أبرز قادة التيار المتشدد في الحرس الثوري، وتولى قيادته العليا بين عامي 1981 و1997، حيث قاد الحرس في الحرب الإيرانية العراقية ولعب دوراً محورياً في تطوير قدراته، لا سيما برنامج الصواريخ الباليستية. عمل رضائي على ترسيخ نفوذ الحرس داخل وخارج إيران، وكان مقرباً من المرشد السابق علي خامنئي، ويُعرف برفضه للاستسلام وإصراره على مواصلة الحرب.
  • محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان الحالي، وهو أيضاً قادم من خلفية الحرس الثوري. يمتلك خبرة واسعة في الإشراف والتواصل مع الشبكات الاقتصادية التابعة للحرس الثوري، والتي تعمل على توفير الأموال وإدارة العمليات الاقتصادية في ظل الحرب. يُصنف ضمن التيار المحافظ.
  • أحمد وحيدي: أول قائد للحرس الثوري من خلفية استخباراتية، ومن القلة القليلة من قادة الصف الأول الذين نجوا من الاغتيال في الصراعات الأخيرة. يتمتع بعلاقات قوية مع قادة الصف الثالث الذين يديرون عمليات الحرس حالياً. يمثل التيار المتشدد الذي يفضل الحلول العسكرية على الدبلوماسية، وقد عينه علي خامنئي نائباً لقائد الحرس في ديسمبر الماضي، ثم تولى القيادة بعد مقتل سلفه في هجوم صاروخي أميركي إسرائيلي مطلع مارس.

تحول في موازين القوى: الحرس الثوري في الصدارة

يلفت الخبير في الشأن الإيراني، علي الشمري، إلى أن مركز الحكم والثقل والقرار قد انتقل فعلياً من المرشد إلى الحرس الثوري بعد مقتل علي خامنئي. ويضيف الشمري لـ”الحرة”: “الحرس الثوري أصبح اللاعب الأقوى فعلياً في النظام، خصوصاً في ظل الحرب والظروف الأمنية، وأصبح نفوذ الحرس مركزياً في النظام. وصول مجتبى خامنئي للسلطة هي إشارة إلى أن التيار المتشدد والمؤسسة العسكرية الأمنية يهيمنان على النظام”.

ويشير الشمري إلى أن محسن رضائي وأحمد وحيدي وقاليباف يمثلون نواة السلطة الأمنية والعسكرية، ويشاركهم في إدارة إيران وقيادة الحرب الحالية مكتب المرشد الأعلى، رغم غياب المرشد. ويلفت إلى أن نفوذ الحرس الثوري وقادته يزداد ويصبح أكبر من نفوذ رجال الدين خلال الأزمات والحروب، ولا يستبعد تحول نظام الحكم في إيران من نظام ديني إلى نظام عسكري أمني بقيادة الحرس الثوري.

الباحث المختص بالشأن الإيراني، سوران بالاني، يرى أن توسع سلطات الحرس مرتبط بتعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديداً. ويوضح بالاني لـ”الحرة”: “مجتبى خامنئي، هو الأقرب من الحرس الثوري وأكثر تطرفاً من والده خامنئي، وقد عمل طيلة السنوات الماضية على ترسيخ قوته وسلطته بين صفوف الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية، وكان بمثابة ظل والده داخل هذه المؤسسات، وخلال فترة والده هو المنفذ الفعلي لسلطات”.

ويتوقع بالاني أن إيران، في ظل مجتبى خامنئي (إذا لم يُقتل خلال الحرب الحالية)، ستتجه نحو انغلاق أكبر وانهيار أضخم داخلياً وخارجياً، وسيحاول اتخاذ سياسة الانتقام، مما سيجر إيران إلى مأساة كبيرة، لكنه يعبر عن ثقته بأن النظام الحالي سيستسلم في النهاية، لأنه يواجه الانهيار في غالبية مفاصله.

تأكيد التحول: تعيين رضائي مستشاراً عسكرياً

قبل ساعات من مقتل لاريجاني، أعلنت وسائل إعلام إيرانية، يوم الاثنين، عن تعيين المرشد الإيراني لمحسن رضائي مستشاراً عسكرياً له. ويعتبر مراقبون ومختصون في الشأن الإيراني تحدثوا لـ”الحرة”، أن هذا التعيين إشارة واضحة إلى نقل المرشد لغالبية صلاحياته العسكرية والأمنية وإصدار القرارات السريعة والمباشرة إلى رضائي والمجلس الثلاثي، مما يمثل سيطرة كاملة للتيار المتشدد في الحرس الثوري على مفاصل الحكم والسلطات في ظل حالة الارتباك التي تعيشها إيران.

من جانبه، يرى الخبير في الشأن الإيراني، مسعود الفك، أن اعتبار المرشد مجرد واجهة طرح مبالغ فيه. ويشير إلى أن النظام الإيراني، بحسب دستوره وبنيته السياسية، يجعل من المرشد القائد الأعلى للقوات المسلحة وصاحب الكلمة الفصل في القرارات الاستراتيجية. ويضيف الفك لـ”الحرة”: “لكن مقتل علي خامنئي وصعود نجله مجتبى إلى موقع المرشد يفتح مرحلة مختلفة من توازنات القوة داخل النظام. فالمرشد الجديد وصل إلى السلطة في ظرف داخلي وإقليمي شديد التعقيد، ما يجعله يعتمد بدرجة أكبر على ما يعرف بالنواة الصلبة للسلطة، أي شبكة القادة الأمنيين والعسكريين المرتبطين بالحرس الثوري”.

ويوضح الفك أن السيناريو الأقرب ليس أن يصبح المرشد واجهة للعسكر، بل أن يتشكل نمط من الشراكة أو التداخل بين السلطة الدينية التي يمثلها المرشد والقوة الصلبة التي يمثلها الحرس الثوري. وفي هذا الإطار، سيبقى المرشد صاحب الشرعية العليا، بينما يتحول الحرس الثوري إلى ركيزة أساسية في إدارة السلطة. ويرى الفك أن انتقال مركز الثقل من المرشد إلى الحرس الثوري لا يعني أن المرشد لن يستطيع التحكم بالحرس الثوري، بل يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد تقارباً أكبر بين المؤسسة الدينية التي يمثلها المرشد والمؤسسة العسكرية التي يمثلها الحرس الثوري. ويتوقع الفك أن يعكس هذا الانتقال نهاية مرحلة التوازن النسبي بين التيارين المعروفين بالإصلاحيين والأصوليين، وصعود تيار أكثر ارتباطاً بالنواة العقائدية والأمنية للنظام.

بقلم: دلشاد حسين


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *