بعد مرور أسبوعين على انطلاق عملية “الغضب الملحمي” في المنطقة، تتكشف أبعاد الأزمة السياسية والعسكرية المتفاقمة في مضيق هرمز وما حوله. فبينما يعلن البنتاغون عن إنجازات عسكرية لافتة، يواجه الواقع تحديات جمة، أبرزها فشل تشكيل تحالف دولي لتأمين المضيق الحيوي، وتزايد القلق في دول الخليج التي تجد نفسها في قلب صراع لم تُستشر فيه.
العمليات العسكرية الأمريكية: أرقام وتحديات الواقع
أعلن قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عن تحقيق تقدم ملموس في عملية “الغضب الملحمي”، مشيراً إلى استهداف نحو ألفي موقع، وانخفاض ملحوظ في إطلاق الصواريخ الإيرانية بنسبة 90%، بالإضافة إلى وصف البحرية الإيرانية بأنها “تقريباً في قاع البحر”. هذه الأرقام، وإن بدت مثيرة للإعجاب، إلا أن المشهد على الأرض يبدو أكثر تعقيداً. فمضيق هرمز لا يزال شبه مغلق فعلياً، وقد رفضت دول رئيسية حليفة لواشنطن، من برلين إلى طوكيو وكانبيرا، إرسال قطع بحرية لدعم الجهود الأمريكية. في المقابل، توعد المرشد الأعلى الجديد لإيران بفتح جبهات جديدة، ويؤكد الحرس الثوري الإيراني قدرته على مواصلة حرب مكثفة لستة أشهر إضافية. داخل البيت الأبيض، تشير المصادر إلى أن الأفق الزمني للتخطيط يتجاوز الخطاب العلني، حيث صرح مسؤول كبير لـMBN بأن “علينا التكيف مع هذا الوضع. القيادة المركزية طلبت دعماً استخباراتياً حتى سبتمبر لأننا نريد أن نكون مستعدين لمواجهة تكيّف النظام في إيران”. وأضاف المسؤول بصراحة حول مدة الحرب: “لا أحد يريد الحرب، لكن علينا التفكير فيما سيحدث إذا انسحبنا فجأة الآن. سيكون ذلك كارثياً. قد يعتقد النظام أنه خرج أقوى”.
موقف الكونغرس الأمريكي: ضغوط سياسية واقتصادية
في أروقة الكونغرس، لم يعد النقاش يدور حول إيقاف الحرب، بل حول السيطرة عليها وتحديد مدتها. فشلت محاولتان للتصويت على صلاحية اتخاذ قرار الحرب، لكن موظفاً في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب عن الجمهوريين أشار لـMBN إلى أن الحسابات السياسية قد تتغير، خاصة “إذا اتجهت الأمور نحو إرسال قوات برية، فقد يبدأ موقف الجمهوريين في التغير”. ويكثف الديمقراطيون جهودهم لممارسة الضغط على الإدارة عبر ثلاث مراحل: التصويت على صلاحية اتخاذ قرار الحرب، ثم التمويل الإضافي، وأخيراً جلسات الاستماع. الهدف من التصويت على الصلاحية هو سياسي بالدرجة الأولى، لإجبار الجمهوريين على تسجيل موقفهم المتكرر لدعم حرب غير معلنة. أما النفوذ الحقيقي فيكمن في التمويل الإضافي، حيث يمثل طلب البنتاغون المتوقع بقيمة 50 مليار دولار فرصة للكونغرس لفرض شروط على استمرار الصراع. وقد أعرب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، عن رغبته في معرفة أهداف الحرب ونهايتها المتوقعة قبل الموافقة، فيما ألمح النائب الجمهوري تشيب روي إلى أن الطلب سيؤخذ “قيد الدراسة”، وهي صيغة تشريعية تعني غالباً المطالبة بشروط. هذه الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع الميداني هي محور النقاش في واشنطن اليوم.
دول الخليج العربي: بين الإدانة العلنية والقلق الخفي
سارعت حكومات الخليج إلى إدانة طهران بعد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت أهدافاً في المنطقة. كانت الرسالة العلنية موحدة: إدانة الهجمات، الدفاع عن الأراضي، والدعوة إلى خفض التصعيد. لكن خلف الكواليس، تختلف النبرة تماماً. وصف مجلس التعاون الخليجي الضربات بأنها “غادرة” واستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. كما وقعت خمس دول خليجية بياناً مشتركاً مع واشنطن يدين إيران، بينما امتنعت عُمان، واكتفى وزير خارجيتها بالقول إن “باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً”. وكشف دبلوماسي كويتي سابق لـMBN عن غضب يعم المنطقة، مؤكداً أن “لو أرادت الولايات المتحدة دعماً كاملاً من شركائها، لكان التصرف المسؤول بسيطاً: شرح الدوافع وإبلاغ الحلفاء مسبقاً قبل اتخاذ قرار الحرب. التحرك أولاً وإبلاغ الشركاء لاحقاً يضعهم في موقف شديد الخطورة”. هذا الخطر لم يعد نظرياً، فقد طالت هجمات الطائرات المسيّرة مدناً في مختلف أنحاء الخليج، بما في ذلك دول لم تفتح مجالها الجوي أو تسمح باستخدام قواعدها في الضربات الأولى. وأضاف الدبلوماسي أن “الشركاء يحتاجون إلى وضوح بشأن النهاية المتوقعة عندما تطلب واشنطن الآن دعماً لتأمين مضيق هرمز. الكلمة المفتاحية هنا هي الاستراتيجية”، مشيراً إلى أن هذه الاستراتيجية لا تزال غامضة، وأن ما شوهد من الجانبين خلال الأسبوعين الماضيين “يبدو أقرب إلى تكتيكات منه إلى استراتيجية”. فهدف إيران واضح وهو “البقاء”، بينما الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة “ما زال أقل وضوحاً”.
بدأت الأضرار الاقتصادية تظهر بالفعل، حيث أوقفت الإمارات تداول الأسهم، وعلقت شركة قطر للطاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وتوقفت مصفاة رأس تنورة السعودية عن العمل، بينما تكاد حركة الملاحة في مضيق هرمز تتوقف. وأكد الدبلوماسي: “دول الخليج ليست طرفاً في هذه الحرب، لكنها تُجرّ إليها من الجهتين”. وبعد عقود من استضافة القواعد الأمريكية كضمان للأمن، بدأت عواصم الخليج تعيد النظر في هذا التفاهم.
اقتباس اليوم: “ليست حربنا. لم نرد هذا الصراع، ومع ذلك ندفع ثمنه في أمننا واقتصادنا.” — ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، رويترز، 11 مارس 2026
مضيق هرمز: تحالف متعثر وتداعيات استراتيجية
أعلن الرئيس دونالد ترامب الأحد توقعه بأن ترسل دول عديدة سفناً حربية للمساعدة في تأمين مضيق هرمز، مشيراً إلى اتصالات مع سبع دول بهذا الشأن. وقال للصحفيين: “أنا أطالب هذه الدول بأن تأتي وتحمي أراضيها”. لكن الرد حتى الآن كان سلبياً. فقد استبعدت ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا المشاركة، وتساءل وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: “ماذا يتوقع دونالد ترامب أن تفعل بضع فرقاطات أوروبية في مضيق هرمز ما لا تستطيع البحرية الأميركية القوية القيام به؟”. وأشار متحدث باسم الحكومة الألمانية إلى أن واشنطن صرحت في بداية الحرب بأن المساعدة الأوروبية غير ضرورية وغير مرغوب فيها. أما بريطانيا والدنمارك، فذكرتا أنهما ستدرسان الخيارات لكنهما استبعدتا الانخراط في الحرب. وأعلنت اليابان وأستراليا الاثنين عدم إرسال سفن حربية. أما دول الخليج، الأكثر تضرراً من إغلاق المضيق، فلم تعلن موقفاً علنياً، وهو موقف وصفه سفير بحريني سابق لـMBN بأنه متعمد: “نريد أن يبقى هرمز مفتوحاً، لكن أي تصعيد عسكري إضافي قد يضر بأمننا واقتصادنا. نحن نحاول إيجاد درع يحمي المنطقة من هذا الوضع”.
يزيد الواقع العسكري من تعقيد المشهد الدبلوماسي. فقد أشار قائد سابق في البحرية الملكية البريطانية لرويترز إلى أن مرافقة ثلاث أو أربع سفن يومياً عبر المضيق ممكنة على المدى القصير بسبع أو ثماني مدمرات، لكن الحفاظ على ذلك لأشهر يتطلب موارد أكبر بكثير. وتستطيع إيران إنتاج نحو عشرة آلاف طائرة مسيّرة شهرياً، بينما نجح الحوثيون، بقدرات أقل بكثير، في تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر لأكثر من عامين رغم الجهود البحرية الأمريكية والأوروبية. يبلغ عرض الممرات الملاحية في المضيق ميلين فقط، وتسيطر إيران على إحدى ضفتيه. وفي ظل هذه المعطيات، لم يتشكل التحالف الذي يحتاجه ترامب بعد.
العراق: تقاطع الأزمات السياسية والعسكرية
في بغداد، تلاقت الأزمة السياسية مع الأزمة العسكرية، حيث تتحرك الحكومة العراقية على الجبهتين. سياسياً، قرر الإطار التنسيقي الشيعي سحب ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، مما يفتح الباب أمام تشكيل حكومة يمكن لواشنطن التعامل معها. أمنياً، أطلق مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ما وصفته المصادر بـ”عملية ضرب الفصائل”، مستهدفاً الميليشيات المدعومة من إيران التي هاجمت بعثات دبلوماسية ومصالح أمريكية منذ بدء الحرب. الهدف المعلن هو حصر السلاح بيد الدولة. وأكد مسؤول دفاعي أمريكي لـMBN أن القوات الأمريكية نفذت ضربات داخل العراق منذ بدء عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير، استهدفت جماعات مسلحة موالية لطهران هاجمت قواعد أمريكية، وشملت الضربات مواقع في جرف الصخر والقائم والموصل، دون تأكيد القيادة المركزية لتواريخ أو مواقع محددة. هذه الخطوة غير مسبوقة قانونياً أيضاً، حيث بدأ القضاء العراقي إجراءات لتصنيف هذه الفصائل بموجب قانون مكافحة الإرهاب، في سابقة ضد جماعات تمتعت لسنوات بحماية سياسية. الضغط الاقتصادي حاضر كذلك.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق