خريطة دول مجلس التعاون الخليجي مع رموز عسكرية تشير إلى التعاون الدفاعي
السياسة

تحالف خليجي على غرار الناتو: طموح متجدد وتحديات قائمة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

دعوة لـ “ناتو خليجي” بقيادة سعودية

في أعقاب التوترات الإقليمية الأخيرة، جدد رئيس وزراء قطر الأسبق، حمد بن جاسم، الدعوة إلى تأسيس “حلف عسكري” خليجي على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد اقترح بن جاسم أن تضطلع المملكة العربية السعودية بالدور المحوري في هذا التحالف، نظراً لثقلها الجغرافي والسياسي والعسكري في المنطقة. وفي منشور له حظي بتفاعل واسع على منصة X، أكد بن جاسم أن المواجهة الراهنة مع إيران تحمل “دروساً وعبر” تستوجب من دول مجلس التعاون الخليجي “التكاتف والتحالف ووحدة الكلمة والموقف”.

ولم يكتفِ بن جاسم بالدعوة إلى التحالف، بل طالب أيضاً بـ “التحرك الفوري” نحو بناء قاعدة صناعات عسكرية وإلكترونية متقدمة، بهدف تعزيز القدرة الدفاعية للخليج و”ردع التهديدات قبل وقوعها”، مشدداً على عدم انتظار انتهاء الصراع الحالي للشروع في هذه الخطوات.

تاريخ فكرة التحالف الخليجي المشترك

ليست فكرة “الناتو الخليجي” وليدة اللحظة، بل هي مبادرة تتجدد مع كل أزمة أمنية تواجه المنطقة، كما يوضح الكاتب والباحث السياسي محمد خلفان الصوافي. ويشير الصوافي إلى أن أول طرح جدي لجيش خليجي موحد جاء بعد تحرير الكويت عام 1991، حيث كُلف السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله، بوضع تصور لقوة مشتركة لحماية دول المجلس من أي تهديد خارجي، لكن هذا التصور لم يترجم إلى واقع عملي.

ويضيف الصوافي أن الفكرة عادت للظهور في قمة المنامة عام 2000، ورغم مصادقة بعض الدول الخليجية على الاتفاقية المرتبطة بها، إلا أنها لم تحظَ بالحماس الكافي من بقية الأعضاء، مما أدى إلى تعثرها مجدداً. كما عادت الفكرة للبروز مع تمدد النفوذ الإيراني، خاصة في اليمن، لكنها لم تحقق تقدماً ملموساً. ويتوقع الصوافي أن يكون مصير هذه المبادرة مشابهاً للمحاولات السابقة، مرجعاً ذلك إلى تراجع الحماس الخليجي مع انحسار الأزمات، بالإضافة إلى استمرار الخلافات حول تحديد طبيعة التهديدات والعدو المشترك.

“درع الجزيرة” والاتفاقيات الدفاعية الحالية

تأسست قوات درع الجزيرة عام 1984، ومقرها السعودية، لتكون القوة العسكرية المشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي. وتضم هذه القوة نحو 40 ألف جندي موزعين على فرقتين، وتتمثل مهمتها الأساسية في “الاستجابة السريعة لأي عدوان خارجي” ودعم الاستقرار الداخلي عند الحاجة. وكان أبرز تدخل لـ “درع الجزيرة” في البحرين عام 2011، كما شاركت دول خليجية، منها السعودية والإمارات، في العمليات العسكرية باليمن منذ مارس 2015.

وقد أرست اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها دول مجلس التعاون عام 2000 مبدأ الأمن الجماعي، حيث تنص على أن أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يُعد اعتداءً عليها جميعاً. ومع ذلك، أعادت المواجهة الأخيرة مع إيران طرح تساؤلات حول فاعلية هذا الإطار الدفاعي، خاصة بعدما بدا أن كل دولة خليجية تعاملت مع أمنها بصورة منفردة.

لحظة فارقة ومقومات التحالف

يرى الدكتور محمد العريمي، الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، أن دول مجلس التعاون تمتلك بالفعل مقومات تأسيس تحالف دفاعي متقدم. ويعدد العريمي هذه المقومات في الموارد المالية الكبيرة، الجيوش الحديثة التسليح، والموقع الجيوسياسي المحوري على طرق الطاقة والتجارة العالمية. إلا أنه يشير إلى أن “البنية المؤسسية” لهذا الحلف “لا تزال بحاجة إلى تطوير أعمق”، خاصة في مجالات “القيادة العسكرية المشتركة والتخطيط الاستراتيجي الموحد وتكامل الصناعات الدفاعية”.

ويخلص العريمي إلى أن “المنظومة الأمنية الخليجية في المدى المنظور مرتبطة جزئياً بالضمانات الغربية”، ليس فقط على مستوى التسليح بل أيضاً “على مستوى المظلة السياسية والردعية التي توفرها القوى الكبرى”. ويضيف أن الاستهداف الإيراني الأخير الذي طال معظم دول الخليج يمثل لحظة فارقة في التفكير الأمني الخليجي، فقد كشف أن وجود القواعد العسكرية الأجنبية، رغم أهميته في الردع التقليدي، لم يكن كافياً لمنع استهداف الأراضي الخليجية أو حماية بنيتها التحتية الحيوية بشكل كامل. ويرى أن هذا الواقع قد يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم منظومتها الدفاعية، والبحث عن خيارات أكثر تنوعاً وفاعلية عبر تعزيز قدراتها الذاتية وبناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالية، لافتاً إلى أن التجربة أظهرت حدود الاعتماد الكامل على المظلات الأمنية الخارجية عندما تتباين حسابات القوى الكبرى مع أولويات الأمن الإقليمي.

السعودية كمركز للثقل الإقليمي

من جانبه، يقترح المحلل السياسي والعسكري عبداللطيف الملحم أن التحالف الدفاعي الخليجي قد يبدأ بالتدريج، بين عدد محدود من الدول، مثل السعودية والبحرين، قبل أن تنضم إليه دول أخرى كقطر والكويت وربما الإمارات وعمان في مراحل لاحقة. ويرى الملحم أن قيام منظومة دفاعية مشتركة لا يشترط بالضرورة مشاركة الدول الست جميعاً منذ البداية، بل يمكن أن تتشكل من أربع أو خمس دول، على غرار تجارب دولية مشابهة، مشيراً إلى أن حلف الناتو نفسه شهد فترات خرجت فيها بعض الدول من هياكله العسكرية مع استمرار التعاون معها.

ويشير الملحم إلى أن السعودية باتت من أكثر الدول قوة من حيث تكامل منظومتها الدفاعية وقدرتها على الحركة السريعة، وهو ما قد يجعلها محور أي ترتيبات دفاعية خليجية مستقبلية، على نحو يشبه تموضع الولايات المتحدة داخل حلف الناتو. ويؤكد أن دول الخليج كلها عملت منذ سنوات الحرب العراقية الإيرانية على تطوير قدراتها العسكرية بصورة ملحوظة، خصوصاً في مجالات التدريب وبناء المنظومات الدفاعية، وهو ما يظهر في مختلف أفرع القوات العسكرية.

عقبات التنافس وضرورة التكيف مع التهديدات الهجينة

لكن، ما الذي يعيق نشوء هذا الحلف إذاً؟ يجيب الدكتور محمد العريمي بأن دول الخليج لا تعاني من نقص في الموارد، كما أن التهديدات التي تواجهها مشتركة. إلا أن العائق الرئيسي يكمن في “الاعتبارات السياسية والتنافسات البينية” بين دول المجلس. ويشير العريمي إلى أن التجربة الخليجية أظهرت أن الخلافات السياسية قادرة على إضعاف المؤسسات المشتركة حتى عندما تتقارب المصالح الأمنية. لكنه يستدرك بأن الأزمات الكبرى غالباً ما تدفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية.

وبرأيه، إذا أدركت العواصم الخليجية أن المخاطر الإقليمية باتت تتجاوز قدرة أي دولة منفردة على مواجهتها، فقد يشكل ذلك دافعاً لبناء منظومة أمن جماعي أكثر تماسكاً، شريطة القدرة على الفصل بين الخلافات السياسية ومتطلبات التعاون الأمني. ويضيف العريمي أن الاختلال الديموغرافي بين دول الخليج وبعض القوى الإقليمية الأكبر سكاناً لا يعني بالضرورة اختلال ميزان القوة، فدول مجلس التعاون تمتلك عناصر تعويض مهمة، أبرزها التفوق التكنولوجي والقدرات المالية التي تسمح ببناء منظومات تسليح متقدمة، إضافة إلى شبكة واسعة من التحالفات الدولية.

غير أن تحقيق توازن ردع حقيقي، يقدر العريمي، يظل مرتبطاً بتطوير الكفاءة البشرية العسكرية وبناء منظومات قيادة وسيطرة متكاملة بين الدول الخليجية، “لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي ما لم تُدعَم بعقيدة عسكرية مشتركة وقدرة تشغيلية موحدة”. ويؤكد أن التحولات في طبيعة الحروب، مع صعود الحروب السيبرانية والطائرات المسيرة وأنماط الصراع غير المتكافئ، جعلت مفهوم التحالف العسكري التقليدي أقل فاعلية إذا اقتصر على التنسيق العسكري الكلاسيكي. ويقترح العريمي أن أي تحالف دفاعي على نمط “ناتو خليجي” لن تكمن قيمته الأساسية في تشكيل جيوش تقليدية مشتركة بقدر ما ستتمثل في بناء منظومة أمن إقليمي متعددة الأبعاد تشمل الدفاع الجوي والصاروخي المشترك، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية للطاقة والممرات البحرية، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يفضي إلى تحالف مرن قادر على التكيف مع التهديدات الهجينة التي باتت تميز الصراعات المعاصرة.

بقلم: سكينة المشيخص

كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *