في تطورات متسارعة تشهدها الساحة الدولية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الاثنين، 9 مارس، عن تخفيف بعض القيود النفطية بهدف “استقامة” الوضع في مضيق هرمز الحيوي. جاء هذا الإعلان عقب سماح واشنطن للهند بشراء شحنات نفط روسي كانت معلقة، في خطوة تهدف إلى استقرار إمدادات الطاقة التي تأثرت بشدة جراء الصراع الإقليمي. هذه المستجدات تضع موسكو في موقع فريد، حيث يرى مراقبون أنها قد تستفيد من اضطراب الأسواق، بينما يحذر مسؤولون أوروبيون من أن روسيا قد تكون “الرابح الوحيد” من هذه التوترات حتى الآن.
موسكو: بين الدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية
تتبنى موسكو علناً خطاباً يدعو إلى خفض التصعيد، وتقدم نفسها كوسيط قادر على التواصل مع جميع الأطراف. ففي مطلع فبراير، أكد الكرملين سعي روسيا لتهدئة التوترات المحيطة بإيران، بينما حذر وزير الخارجية سيرغي لافروف في 19 فبراير من أن أي ضربة أمريكية جديدة قد تؤدي إلى “عواقب خطيرة”. وبعد اندلاع الصراع، اتهمت الخارجية الروسية الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة جر دول عربية إلى مواجهة أوسع.
غير أن التحليلات تشير إلى أن الحسابات الروسية خلف هذا الخطاب الدبلوماسي أكثر تعقيداً. يصف بوب هاملتون، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، الصراع بأنه “سيف ذو حدين” بالنسبة لموسكو، يحمل في طياته جوانب إيجابية وسلبية.
المكاسب الاقتصادية والجيوسياسية
من جهة، توفر التوترات الحالية فرصة لموسكو للاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. ففي 10 مارس، سجل خام الأورال الروسي نحو 76 دولاراً للبرميل، بعد أن كان قرب 45 دولاراً قبل أسبوعين فقط، وذلك على الرغم من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. يمر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وقد أدى اضطراب الشحن إلى ارتفاع خام برنت من 71 دولاراً إلى 94 دولاراً للبرميل، ووصل لفترة وجيزة إلى ما يقارب 120 دولاراً قبل أن يستقر دون 90 دولاراً.
ترى آنا بورشفسكايا، الباحثة في معهد واشنطن، أن روسيا ترى في هذا الصراع “مخاطر، لكن أيضاً فرصاً كثيرة” على المدى القصير، خاصة وأن النفط والغاز يشكلان أكثر من خُمس إيرادات ميزانيتها. ففي عام 2025، بلغ إنتاج روسيا النفطي 9.129 ملايين برميل يومياً، وصادراتها 4.8 ملايين برميل يومياً، ذهب 80% منها إلى الصين والهند. وتتوقع الحكومة الروسية عائدات طاقة بنحو 110 مليارات دولار في عام 2026.
إلى جانب المكاسب الاقتصادية، قد تساهم هذه التوترات في تشتيت الانتباه الغربي عن الحرب في أوكرانيا، مما يمنح موسكو مساحة للمناورة. كما يرى بعض المحللين أن الصراع يمثل فرصة لموسكو لاختبار جاهزية الولايات المتحدة في ساحات أخرى، مستشهدين بتحليق طائرات دورية روسية قرب ألاسكا في 4 مارس، والذي قد يندرج ضمن نمط أوسع لاختبار سرعة الاستجابة الأمريكية بينما تنشغل واشنطن بالصراع الإقليمي.
تحديات النفوذ والمخاطر المحتملة
على الجانب الآخر، تكشف الحرب حدود النفوذ الروسي المتآكل في الشرق الأوسط. يرى هاملتون أن إيران كانت الركيزة الثانية لاستراتيجية روسيا في المنطقة إلى جانب سوريا، والآن قد تكون موسكو قد فقدت كلا الركيزتين أو ضعف نفوذها فيهما بشكل كبير. كما أن اتساع الاضطراب في الخليج قد يقلب الحسابات الروسية، فالمكاسب السعرية السريعة قد تتحول إلى عبء اقتصادي أوسع إذا تضررت اقتصادات المنطقة أو ضعف الطلب العالمي على الطاقة.
العلاقة بين روسيا وإيران تزداد تعقيداً. فبينما نقلت تقارير عن مسؤولين أمريكيين (لم يتم تأكيدها بأدلة علنية مفصلة) أن روسيا قدمت لإيران معلومات قد تساعدها في استهداف أصول أمريكية، نفت روسيا ذلك رسمياً. هذا الغموض يخدم موسكو، التي تسعى لدعم شريكها الإيراني بما يبقيه فاعلاً، لكن دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تعريض علاقاتها مع شركاء آخرين في الخليج للخطر.
المخاطر لا تقتصر على ذلك، فالتطورات الميدانية قد تمس المصالح الروسية المباشرة داخل إيران، حيث أفادت تقارير بأن موسكو بدأت إجلاء بعض العاملين في مشاريعها هناك مع تصاعد القتال. ومع ذلك، يرى الدكتور روبرت موغيليتسكي، الباحث في معهد دول الخليج العربية، أن اقتصادات الخليج “حساسة لكنها ليست هشة بعد”، وأن الحكومات ستتحرك للحفاظ على القطاعات الاستراتيجية وضمان استمرار تدفق الطاقة، مما قد يحد من تحول الاضطراب إلى أزمة ممتدة تمنح موسكو مكاسب مفتوحة.
خاتمة
تجد روسيا نفسها في مفترق طرق استراتيجي، حيث تقدم التوترات الإقليمية فرصاً اقتصادية وجيوسياسية مغرية، لكنها تحمل في طياتها أيضاً مخاطر كبيرة قد تهدد نفوذها واستقرار المنطقة. يبقى السؤال حول مدى قدرة الكرملين على الموازنة بين هذه الفرص والتحديات في ظل ديناميكيات متغيرة ومعقدة.
عزت وجدي، صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني مقيم في واشنطن، حاصل على درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق