في تطور لافت، أدانت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية مؤخرًا الولايات المتحدة وإسرائيل، واصفةً حملتهما العسكرية ضد إيران بـ”الحرب العدوانية”. ومع ذلك، كان الغياب الملحوظ لأي إشارة إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعشرات من كبار القادة الإيرانيين أمرًا ذا دلالة عميقة.
يُعزى هذا الإغفال إلى طبيعة النظام السياسي في كوريا الشمالية، الذي يرتكز على السلطة شبه الأسطورية لزعيمه وحصانته المطلقة. فبث خبر الإطاحة العنيفة بزعيم أعلى في دولة أخرى قد يُشكل سابقة خطيرة، ويُذكّر المواطنين الكوريين الشماليين بأن حتى أقوى الشخصيات في الدول ذات السيطرة المحكمة ليست بمنأى عن الاستهداف. وهذه ليست رواية تُريد بيونغ يانغ نشرها في الداخل.
هل حان وقت التواصل مع ترامب؟
في ظل هذه التطورات الإقليمية المتسارعة، قد يجد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون نفسه أمام تساؤلات حول جدوى إعادة التواصل مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فبينما تتواصل العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي ألقت بظلالها على الشرق الأوسط، يُعكف كيم ومستشاروه المقربون من مسؤولي الحزب والجيش، المشرفين على الأمن القومي، على تحليل دقيق لكل جوانب هذه العمليات، مع تركيز خاص على قدرة ترامب على التحول السريع بين الدبلوماسية والقوة.
من المتوقع أن يعود ترامب إلى آسيا في وقت لاحق من هذا الشهر لعقد قمة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ. ورغم عدم وجود إعلانات رسمية عن لقاء محتمل مع كيم، لا يستبعد تشاد أوكارول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “كوريا ريسك غروب”، هذا الاحتمال. ويرى أوكارول أن كيم جونغ أون قد يجد مصلحة قصوى في إجراء نوع من المفاوضات مع ترامب هذا العام، حتى لو كانت شكلية، وذلك في سياق سعيه للتعامل مع الطبيعة غير المتوقعة لقرارات ترامب.
دروس من فنزويلا والعراق
لم يغب عن بال كيم وحاشيته المقربة حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل شهرين تقريبًا في عملية مفاجئة نفذتها القوات الخاصة الأمريكية. حينها، ردت كوريا الشمالية بإطلاق صاروخ، في خطوة فسرها بعض المحللين بأنها قد تكون مرتبطة بالحدث. إلا أن الوضع في أعقاب أحداث إيران لم يشهد استعراضًا مماثلاً للقوة.
تعيد هذه الأحداث إلى الأذهان رد فعل الزعيم السابق كيم جونغ إيل بعد غزو العراق عام 2003 وتصنيف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش لكوريا الشمالية ضمن “محور الشر”. فقد اختفى كيم جونغ إيل عن الأنظار لأسابيع، وعندما عاد، تركزت إطلالاته على زيارة المواقع العسكرية، مما عكس “خوفًا مبدئيًا” حسب أوكارول. لكن الوضع الحالي مختلف، فكيم جونغ أون يواصل الظهور علنًا، مؤكدًا بذلك أنه لن يختفي عن الأنظار.
حصانة القيادة النووية وتحدياتها
تُعكف قيادة الحرس الوطني وأجهزة الأمن الداخلي في كوريا الشمالية حاليًا على تحليل دقيق لكل تفاصيل العملية الإيرانية، بهدف ضمان عدم تكرار المصير الذي لقيه خامنئي بالنسبة لكيم جونغ أون. لطالما وصفت تقييمات الاستخبارات الكورية الجنوبية والأمريكية كوريا الشمالية بأنها تمتلك أحد أكثر أنظمة حماية القادة تطورًا في العالم، حيث أمضت بيونغ يانغ عقودًا في تطوير نظام حماية متعدد الطبقات.
تظهر اللقطات الحديثة لظهورات كيم العلنية أفراد الأمن يتجمعون حوله بإحكام، ويحمل بعضهم حقائب مضادة للرصاص تتحول إلى دروع عند الحاجة. كما تُعزز حماية كيم بتكتيكات مألوفة مثل المواكب الوهمية، وتغييرات أماكن الفعاليات المفاجئة، وحلقات الحماية المتعددة. ويُعتقد بوجود منشآت تحت الأرض واسعة النطاق ومواقع قيادة بديلة، مخبأة في أعماق بيونغ يانغ وجبال كوريا الشمالية الشاسعة، لضمان سلامة القيادة واستمراريتها.
لدى كيم أسباب وجيهة تجعله أكثر ثقة اليوم مما كان عليه والده في 2003، حيث يُعتقد على نطاق واسع أن كوريا الشمالية قد طورت عشرات الرؤوس الحربية النووية، وهو ما يُغير المعادلة الاستراتيجية بشكل جذري. وعلى عكس إيران أو فنزويلا أو ليبيا، تدّعي كوريا الشمالية امتلاكها أسلحة نووية عاملة وأنظمة إيصال قادرة على الوصول إلى أي مكان في الولايات المتحدة، على الرغم من أنها لم تُختبر بشكل كامل. وقد كرست بيونغ يانغ حقها في استخدام الأسلحة النووية بشكل استباقي في القانون، وأعلنت وضعها النووي “غير قابل للتراجع”.
يُشير أوكارول إلى أن قدرة كوريا الشمالية على تزويد صواريخها بـ”رؤوس حربية نووية تكتيكية أو حتى استراتيجية” تُغير بشكل جذري حسابات المخاطر لأي خصم، لكنه يضيف أن الردع لا يضمن الحصانة المطلقة. فقد أظهرت الصراعات الأخيرة كيف لا تزال أجهزة الاستخبارات الحديثة قادرة على اختراق الخصوم، وتحديد أهداف القيادة، وتعطيل الاتصالات، وإضعاف الدفاعات بسرعة.
درس هانوي المرير والدبلوماسية الخادعة
قد تُعيد الأحداث المحيطة بإيران إلى الأذهان ذكرى مؤلمة لكيم: قمة هانوي في فبراير 2019. حينها، وصل كيم إلى فيتنام على متن قطار مُصفّح لحضور قمته الثانية مع ترامب، بثقة بدت، عند النظر إليها اليوم، ساذجة. ووفقًا لمصادر مطلعة، كان المسؤولون الكوريون الشماليون يعتقدون أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكًا، حيث صرح أحد المصادر بأن “كيم لم يكن لديه خطة بديلة”. وقد صوّرت الدعاية الداخلية القمة على أنها إنجاز تاريخي قبل انعقادها.
لكن عندما انسحب ترامب وفريقه فجأة دون اتفاق أو بيان مشترك، بقيت مائدة الغداء خالية، وغادر كيم هانوي خالي الوفاض. وفي العام الماضي، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أنه خلال الفترة نفسها من التواصل رفيع المستوى، نفّذت قوات البحرية الأمريكية الخاصة (SEALs) مهمة سرية داخل كوريا الشمالية لزرع جهاز تنصت قبل انعقاد القمة، وهي رواية لم تؤكدها الحكومة الأمريكية علنًا ولم تتحقق منها شبكة CNN بشكل مستقل.
إذا صحت هذه الرواية، فإنها تؤكد حقيقةً مُرّة: الدبلوماسية لا تُوقف جمع المعلومات الاستخباراتية أو التخطيط للطوارئ. ويبدو أن إيران قد شهدت نمطًا مشابهًا، حيث استمرت المفاوضات حتى مع تصاعد الضغط العسكري وجمع معلومات استخباراتية سرية حول تحركات القيادة الإيرانية العليا. وعندما تعثرت المفاوضات، تم استخدام قوة ساحقة وقاتلة، في خطوة بدت وكأنها فاجأت الإيرانيين. والدرس الذي استخلصه كيم هو أن الدبلوماسية لا تُزيل خطر المواجهة، بل قد تكون غطاءً لعمليات أخرى.
تحولات التحالفات وحدود الشراكات
بعد هانوي، أعاد كيم تنظيم صفوفه وضبط استراتيجيته، وتراجع التواصل مع واشنطن تدريجيًا، ثم استؤنفت تجارب الأسلحة، وتسارعت وتيرتها خلال فترة رئاسة جو بايدن. بعد ذلك، جاء تحول كيم الحاسم نحو موسكو. ومع إعادة تشكيل الحرب الروسية في أوكرانيا للتحالفات وتعميق عزلة موسكو في الغرب، انتهزت بيونغ يانغ الفرصة والتقى كيم مرتين بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما عزز ما يُطلق عليه البلدان الآن “شراكة استراتيجية” ذات منفعة متبادلة وأهداف مشتركة.
وافق كيم على تزويد كوريا الشمالية بقذائف المدفعية والصواريخ، ونشر آلاف الجنود لدعم المجهود الحربي الروسي. وفي المقابل، يرى المحللون أن بيونغ يانغ تلقت الغذاء والوقود وتكنولوجيا عسكرية حساسة، بالإضافة إلى بيانات ميدانية تساعد كوريا الشمالية على تطوير أسلحتها.
لكن حتى الشراكات الرسمية لها حدودها. فنظريًا، تربط كوريا الشمالية معاهدة دفاع مشترك مع روسيا، وكذلك مع الصين، التي تربطها بها أيضًا علاقات اقتصادية طويلة الأمد. لكن النظام الإيراني بنى أيضًا علاقات قوية مع كلتا القوتين النوويتين، حيث أبرمت طهران اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد مع كل من بكين وموسكو. ومع ذلك، عندما تصاعدت الأزمة الأخيرة، لم تتدخل أي من الدولتين عسكريًا، مما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية هذه الشراكات في أوقات الأزمات الحادة.
علاقة كيم-ترامب: هل تعود للواجهة؟
يعتقد البعض أن الواقع الراهن قد يدفع كيم إلى إعادة النظر، على الأقل، في فكرة إعادة التواصل مع ترامب، خاصة وأن علاقتهما كانت شخصية بشكل استثنائي. ففي سنغافورة 2018، تنزه كيم وترامب في حديقة خاصة، بل وقارنا سياراتهما المصفحة، ولاحقًا، أشاد ترامب بـ”الرسائل الجميلة” التي أرسلها له كيم، وقال في تجمع انتخابي: “لقد وقعنا في الحب”.
تطوّرت صورة كيم في خطاب ترامب من “رجل الصاروخ الصغير” إلى “صديقي”. وفي أبريل 2019، وخلال آخر لقاء معروف بينهما، أصبح ترامب أول رئيس أمريكي في منصبه يطأ أرض كوريا الشمالية في المنطقة المنزوعة السلاح. ولفترة من الزمن، برز كيم بشكل لافت في خطاب ترامب عن السياسة الخارجية، كجزء من أسلوب دبلوماسي يضع العلاقات الشخصية في صميم العمل السياسي. لكن في خطاب حالة الاتحاد الأخير لترامب، لم تُذكر كوريا الشمالية، وهو ما قد يُثير نوعًا مختلفًا من عدم اليقين بالنسبة لكيم، خاصة لرئيس يُؤطّر الدبلوماسية عادةً بعبارات شخصية.
في المؤتمر التاسع لحزب العمال الكوري الشمالي أواخر فبراير، ترك كيم مجالًا ضيقًا للمفاوضات مع واشنطن، رابطًا أي إعادة ضبط للعلاقات بقبول الولايات المتحدة لكوريا الشمالية كدولة نووية. ورغم ذلك، صرح كيم بأنه “لا يوجد سبب” يمنع البلدين من “التعايش بسلام”، مما يترك الباب موارباً أمام احتمالات مستقبلية قد تشهد تحولات غير متوقعة في المشهد الجيوسياسي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق