المرأة الأمازيغية: رحلة عبر الأسطورة والتاريخ ودورها المحوري في صون الهوية
لطالما شكلت المرأة الأمازيغية محور اهتمام الدراسات الإثنوغرافية والميدانية، التي سعت إلى استجلاء مكانتها العميقة في النسيج الثقافي والاجتماعي الأمازيغي. فمن خلال الموروث الشفوي الغني بالأساطير والحكايات والطقوس والمعتقدات الشعبية، تتجلى ملامح رؤية أمازيغية فريدة للكون والوجود والحياة، وتبرز مكانة المرأة كركيزة أساسية في هذا التصور.
الأساطير والطقوس: تجليات مكانة المرأة
“تاغنجا” أو “عروس المطر”: رمز الخصوبة والحياة
تعد طقوس “تاغنجا” أو “تسليت أونزار” (عروس المطر) من أبرز التصورات الميثولوجية المنتشرة في المناطق الأمازيغية بشمال إفريقيا. هذه الشعيرة الاستسقائية القديمة، التي تهدف إلى استمطار السماء في أوقات الجفاف، تتجسد في موكب نسائي وطفولي يردد الأناشيد والأدعية، ويطوف بالدواوير والقرى والأضرحة. يرى باحثون كولونياليون أمثال إميل لاوست وهنري باسي ورونيه باسي، أن هذه الطقوس الزراعية، المرتبطة بالماء والخصوبة والتجدد، ترمز إلى زواج “تسليت” (الأرض) و”أنزار” (السماء)، الذي ينجم عنه الخصب والاخضرار. فالمرأة هنا ترمز للأرض التي يخصبها مطر السماء، وتتخلل هذه الاحتفالات أهازيج شعرية غنية بالرموز، يجسد فيها قوس قزح ثوب العروس بألوانه المتعددة.
المرأة والمطر: أسطورة سوسية
في بعض مناطق سوس، تتداول أسطورة شعبية تعكس عمق احترام الأمازيغ للمرأة، حيث يُعتقد أن الطبيعة تلبس الحداد وتبكي بدموع غزيرة (المطر الوفير) كلما توفيت امرأة. مقولة “لا توصي اليتيم بالدموع” تعزز هذا الاعتقاد، إذ أن بكاءه الدائم يجعله رمزًا للحزن المتواصل. وفي نواحي طاطا، تربط حكاية مشهورة المطر بدموع الأرامل على فقد أزواجهن، مما يحول الأرض من الجفاف إلى الخصوبة، ومن الموت إلى الحياة.
المرأة الأمازيغية في الوعي التاريخي والاجتماعي
من الأمومية إلى البطريركية: تحولات الدور
اعتمدت المخيلة الشعبية المغربية على أسطرة الأحداث الاجتماعية والتاريخية، مما جعل الوعي التاريخي نسيجًا يتشابك فيه الواقع بالمتخيل الأسطوري. وقد نسجت الأسطورة الأمازيغية للمرأة صورة الملاك الأرضي، أم البشرية، ومصدر الخصب والحياة. وتشير الدراسات الإثنولسانية والتاريخية إلى أن المجتمع الأمازيغي كان في عهوده الأولى مجتمعًا أموميًا يقدر المرأة ويعترف بمكانتها الاعتبارية. لاحظ مارسي بقايا القرابة الأمومية في طقوس ما بعد الولادة، وتتجلى هذه البقايا في تسميات الأبناء، حيث يُعرف الإخوة بـ”أيتما” (أبناء الأم) والأخوات بـ”تايتماتين” أو “تيستيماتين” (المنتسبات للأم). ومع أفول الزمن الأسطوري وهيمنة الثقافة البطريركية، تراجعت سلطة المرأة، لكنها ظلت حارسة أمينة للقيم الثقافية والممتلكات الرمزية.
ألقاب ومكانة: “تيسدنان” و”تمغارت”
تتجلى مكانة المرأة الأمازيغية أيضًا في الألقاب التي تطلق عليها. ففي بعض المناطق، تُسمى النساء بـ”تيسدنان”، وهي تسمية تعني “اللبؤات”، مما يحمل في طياته تكريمًا وتشريفًا. وفي سوس والريف، تُعرف المرأة بـ”تمغارت”، وهو مؤنث “أمغار”، رئيس القبيلة. هذا اللقب لا يُطلق إلا على المرأة ذات الشأن والسلطان في مجتمعها، مما يؤكد دورها القيادي والاعتباري.
المرأة الأمازيغية بعد الإسلام: استمرارية الدور
مع قدوم الإسلام، حافظت المرأة الأمازيغية على دورها الاعتباري داخل الأسرة والقبيلة والجماعة، وتمسكت بنمط حياتها وعاداتها وتقاليدها المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. تزخر المؤلفات التاريخية القديمة، مثل “تحفة النظار” لابن بطوطة و”كتاب المغرب” للبكري و”العبر” لابن خلدون و”نزهة المشتاق” للإدريسي، بصفحات عديدة تسرد مكانة المرأة الأمازيغية البارزة في تلك الحقبة، وأدوارها القوية في مجالات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، فاقت في بعض الأحيان مكانة الرجل. يروي ابن بطوطة في “تحفة النظار” عن نساء قبيلة “مسوفة” الصنهاجية، مشيدًا بجمالهن الفائق ومكانتهن التي تفوق مكانة الرجال، وحريتهن في مشاركة الرجل في المعارك والمسؤوليات، مع محافظتهن على العرف والصلوات.
شخصيات نسائية بارزة
شهد التاريخ الأمازيغي تألق نساء في ميادين الثقافة والأدب والعلم، حتى في مجتمعات كانت تحكمها سلطة رجال الدين، كدولة المرابطين. من أبرز هؤلاء الأميرة تميمة بنت يوسف بن تاشفين اللمتونية، وحواء بنت تاشفين، وزينب النفزاوية التي اشتهرت بأدوارها الحاسمة في أحداث الدولة المرابطية ومشاركتها قادة الدولة والجيش في تسيير الشؤون السياسية والإدارية.
دور المرأة السوسية في العصر الحديث
المقاومة الوطنية وصمود الجبال
في العصر الحديث، لعبت المرأة الأمازيغية في سوس دورًا بطوليًا في صفوف المقاومة وجيش التحرير ضد المستعمر الفرنسي والإسباني. لم تكن مجرد مجاهدة، بل محرضة على الجهاد، ومسعفة ومضمدة للجروح في ساحات القتال. كانت تحمل المؤن والسلاح ليلاً إلى أعالي الجبال والخنادق لتزويد الفدائيين بالطعام والدواء والعتاد. ويبرز دور المرأة القروية في سوس في معركة آيت عبد الله (1928-1934) بقيادة الحاج عبد الله زكور، كنموذج مشرف للصمود والتضحية.
حارسة الأرض والتراث: صانعة الهوية
إلى جانب دورها الوطني، واجهت المرأة السوسية قساوة الحياة في الجبال والقرى النائية، وكانت الحارسة الأمينة للأرض والأسرة والإرث. حرثت وحصدت، وغزلت ونسجت، ونمت الإرث المادي والرمزي للعائلة والقبيلة. ويعود إليها الفضل في الحفاظ على حروف “تيفناغ”، التي تخطها وتطرز بها الألبسة والحلي والزرابي، وتنقش بها الحناء، لتكون بذلك صانعة للهوية الثقافية. يمنح النظام الاجتماعي في قبائل سوس والأطلس الصغير المرأة سلطة كاملة داخل البيت، وتساعد الرجل في جميع أعماله الفلاحية والرعوية والتجارية، بل تقوم بها بمفردها عند غيابه، مما يفرض لها نصيبًا من التركة يُعرف بـ”السعاية” أو “الجراية”.
التكيف مع الحداثة: أصالة ومعاصرة
هذه الصور المضيئة للمرأة الأمازيغية أكسبتها احترامًا ومكانة مرموقة داخل النظام الاجتماعي القبلي في سوس. وحتى في صراعات القبائل، كانت المرأة طرفًا أساسيًا في إحلال السلم. واليوم، ورغم تغير الكثير من المفاهيم، لا تزال المرأة الأمازيغية في سوس تحافظ على منزلتها ومكانتها الاعتبارية، وتتكيف بذكاء مع شروط الحياة الجديدة، محافظة على أصالتها دون السقوط في براثن العولمة وقشورها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق