مقدمة: موقف الحوثيين من الصراع الإقليمي
مع تصاعد وتيرة الصراع الإقليمي الذي يجمع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، تتجه الأنظار نحو موقف جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، الحليف الرئيسي لطهران. فبعد أن بدأت الجماعة بدعم سياسي صريح وإدانة للـ”عدوان”، تطورت التصريحات لتشير إلى استعداد عسكري محتمل. يثير هذا التحول تساؤلات حول مدى انخراط الحوثيين في هذا الصراع، وإمكانية تحول دعمهم الرمزي إلى مشاركة فعلية على الساحة الإقليمية.
تقديرات القيادة الحوثية: استقلالية القرار وحسابات القوة
في هذا السياق، أوضح الدكتور حزام الأسد، عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله، في تصريح لبي بي سي نيوز عربي، أن مسألة الانخراط العسكري المباشر في الحرب “تخضع لتقديرات القيادة العليا للحركة”. وأكد الأسد أن الجماعة ترى في إيران قوة عسكرية ذاتية الاكتفاء، قادرة على إدارة المواجهة دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر من جانب الحوثيين.
وأضاف: “إيران لم تطلب التدخل العسكري للحركة ولم تحتج إليه”، مشيراً إلى قدرة طهران على إلحاق الأضرار بالعمق الإسرائيلي. وشدد على أن “إيران ليست في وضع مشابه لحركة حماس التي قد تحتاج إلى دعم عسكري مباشر”، مما يعني أن سيناريو الانخراط الحوثي المباشر، كما حدث في ساحات أخرى، ليس مطروحاً بقوة في الوقت الراهن.
تاريخ من المشاركة الانتقائية: دروس من البحر الأحمر
يشير الدكتور الأسد هنا إلى الدور الذي لعبه الحوثيون خلال الحرب بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2023. فبعد هجمات السابع من أكتوبر، أعلن الحوثيون دعمهم لـ”محور المقاومة” الذي تقوده إيران، ونفذوا عمليات في البحر الأحمر استهدفت الملاحة المرتبطة بإسرائيل في إطار دعم غزة. إلا أن هذه العمليات، ورغم أهميتها، جاءت ضمن حساباتهم الإقليمية الخاصة ولم تكن تدخلاً عسكرياً مباشراً للدفاع عن إيران ذاتها.
تحليلات الخبراء: بين الردع والانتظار
تعليقاً على هذا الموقف، يرى أنور العنسي، الكاتب المتخصص في الشؤون اليمنية، أن الغموض يكتنف ما إذا كان التزام الحركة الحوثية بعدم القيام بأي عمل عسكري معادٍ للولايات المتحدة وإسرائيل يعود إلى تقديرها لخطورة وكلفة الرد المحتمل من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي – اللذين سبق لهما توجيه ضربات مؤثرة أضعفت قدرات الحوثيين العسكرية – أم أن عدم انخراطهم ينتظر قراراً من طهران يعتمد على أولوياتها وتوقيت وطبيعة مشاركتهم المحتملة.
ويضيف العنسي أن “الخيارات أمام الحوثيين تبدو محدودة للغاية، ولم تعد كما كانت في السابق عند هجماتهم على خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وذلك بالنظر إلى تقلص الحركة في هذين الممرين المائيين بين باب المندب وقناة السويس.”
الدور المتوقع: استهداف الملاحة كخيار استراتيجي
من جانبه، أفاد الصحفي الحسين البخيتي، المقرب من الجماعة، لبي بي سي أن الموقف الحالي لجماعة أنصار الله الحوثية يرتكز على المساندة السياسية والإعلامية لإيران. وأشار إلى أن الدور المتوقع للجماعة – في حال التصعيد – قد يقتصر على استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة في البحر الأحمر، مؤكداً أن نقطة القوة الاستراتيجية لليمن تكمن في هذا الممر البحري الحيوي، الذي يعتبر – وفق تقديره – في حالة إغلاق فعلي أمام الملاحة الإسرائيلية والأمريكية.
واستبعد البخيتي أي تدخل عسكري مباشر من الحوثيين في الحرب الدائرة حالياً. غير أنه لم يستبعد دراسة الجماعة لخيار استئناف المواجهة العسكرية مع السعودية، ضمن سياق تصعيد إقليمي أوسع، في حال اتسعت رقعة المواجهة لتشمل دعماً عسكرياً مباشراً من قبل السعودية أو الإمارات للولايات المتحدة.
اعتبارات داخلية وخارجية تؤثر على القرار
تسيطر جماعة الحوثيين، المدعومة من إيران، على معظم مناطق شمال غرب اليمن منذ الإطاحة بالحكومة المعترف بها دولياً قبل أكثر من عقد، مما أشعل حرباً أهلية مدمرة. وفي يناير من العام الماضي، أعادت الولايات المتحدة تصنيف الحركة كـ”منظمة إرهابية أجنبية” على خلفية هجماتها في البحر الأحمر واستهدافها لإسرائيل.
ويرى العنسي أنه من المستبعد أن يمتنع الحوثيون عن أي عمل على الإطلاق، “إذ يخشون من أن عدم المشاركة قد يوحي بضعفهم أمام خصومهم المتربصين بهم في الداخل، بل وقد يخصم من رصيدهم وصورتهم أمام الخارج الذي كان بعضه ممتناً ومؤيداً لهجماتهم – رغم محدودية تأثيرها – في ما يتعلق بحرب غزة”.
ويوضح العنسي أن الخيار الوحيد المتاح أمامهم قد يكون استهداف إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيرة، إذا كانوا لا يزالون يحتفظون بقدرات كافية بعد الهجمات المتكررة التي تعرضوا لها. ويظل الأمر في كل الأحوال رهناً بمدى تطور مجريات الحرب مع كل من إيران وحزب الله في لبنان.
وعلى الرغم من محاولات تفسير أسباب بقاء الحوثيين خارج المواجهة حتى الآن، تشير تقارير استخباراتية متزايدة إلى تطويرهم لقدراتهم الصاروخية، مما يعزز الاعتقاد بأن دخولهم على خط الصراع قد يحدث في أي لحظة.
سوابق تاريخية: دعم سياسي لا عسكري بالضرورة
بالرغم من ارتباط الحوثيين بما يُعرف بـ”محور المقاومة” بقيادة إيران، فإن الحركة لم تشارك دائماً مباشرة في الصراعات الإقليمية. فقراراتها تتحدد بناءً على اعتبارات محلية واستراتيجية مرتبطة بالوضع في اليمن وتوازنات المنطقة.
- خلال فترات التصعيد بين إيران والولايات المتحدة في الخليج، خصوصاً بعد أحداث استهداف ناقلتين في خليج عُمان عام 2019، اكتفت الجماعة ببيانات تتبنى الرواية الإيرانية وتدين الضغوط الأمريكية، دون مشاركة عسكرية.
- عقب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في عملية أمريكية ببغداد عام 2020، أدان الحوثيون العملية بشدة وأعلن زعيمهم عبد الملك الحوثي تضامن جماعته مع إيران و”محور المقاومة”، واصفاً الاغتيال بـ”الجريمة الكبرى”، لكن الجماعة لم تنخرط في عمل عسكري مباشر رداً على ذلك.
- وفي عام 2024، عند وقوع هجمات إسرائيلية على أهداف داخل إيران في سياق التصعيد بين البلدين، أعلن الحوثيون دعمهم السياسي لطهران وأكدوا وقوفهم إلى جانبها، واقتصر هذا الدعم على بيانات سياسية وخطابات إعلامية دون تدخل عسكري مباشر.
ووفقاً لتقرير صادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أبلغ الحوثيون إيران في بعض المراحل بعدم قدرتهم على تنفيذ مهام عسكرية إضافية، نتيجة الضغوط العسكرية والحصار المفروض عليهم، مما يعكس هامشاً من الاستقلال في قرارهم العسكري.
ويُظهر هذا السجل أن دعم الحوثيين لإيران لا يقتصر بالضرورة على البعد العسكري، بل تلجأ الجماعة في بعض الأزمات إلى التعبير عن التضامن السياسي والإعلامي مع طهران دون الانخراط المباشر في المواجهة، وهو ما يعكس توازناً دقيقاً بين التزاماتها ضمن “محور المقاومة” وحساباتها العسكرية والسياسية داخل اليمن.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق