تُعدّ الحروب والصراعات المسلحة من أشد التجارب قسوة على الأطفال، إذ تهدد إحساسهم بالأمان، وتُعيق تطورهم النفسي السليم، وتترك آثاراً عميقة قد تمتد لسنوات طويلة. في ظل استمرار التوترات الإقليمية، كالصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، يصبح فهم هذه الآثار وسبل التخفيف منها أمراً بالغ الأهمية.
الآثار النفسية المباشرة للحروب على الأطفال
يتعرض الأطفال خلال فترات الحروب والصراعات المسلحة لمشاهد وأصوات صادمة، تشمل دوي صافرات الإنذار، وإطلاق النار، والانفجارات، وتحليق المقاتلات والصواريخ. كما يشاهدون صور الخراب والدمار والقصف عبر شاشات التلفزيون ومقاطع الفيديو المنتشرة على الإنترنت. هذه التجارب المرئية والمسموعة تترك بصماتها على نفسية الطفل.
تجارب قاسية: النزوح وفقدان الأمان
إضافة إلى المشاهد والأصوات، قد يواجه الأطفال تجارب أكثر عنفاً وقسوة، مثل النزوح القسري الذي يجبرهم على مغادرة منازلهم التي تمثل لهم ملاذاً آمناً ومصدراً للذكريات الدافئة والاستقرار الأسري. هذه التجربة، بحسب تقارير بي بي سي، تزيد من المخاطر النفسية التي يتعرضون لها، وقد تستمر آثارها السلبية لسنوات طويلة.
نصائح الخبراء لدعم الأطفال نفسياً
يؤكد الخبراء على ضرورة توفير الدعم النفسي المناسب للأطفال خلال وبعد فترات الصراع. يقدم الدكتور محمد جمال، استشاري طب نفس الأطفال والمراهقين، نصائح عملية للتعامل مع هذه التحديات.
أهمية التعبير عن المشاعر
يشدد الدكتور جمال على أهمية سؤال الأطفال عن مشاعرهم ومساعدتهم على التعبير عنها، حتى لو كان ذلك بالصراخ أو البكاء، مع التأكيد على أن هذه المشاعر طبيعية ومقبولة. فالتصديق على مشاعرهم يُعد خطوة أساسية للحفاظ على صحتهم النفسية.
تهدئة المخاوف وتوفير الأمان
تشير الأبحاث إلى أن الأطفال المعرضين لأصوات صافرات الإنذار أو مشاهدة الانفجارات أو تجربة النزوح، يكونون أكثر عرضة للقلق واضطرابات النوم ونوبات الهلع، وحتى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) إذا لم يتلقوا دعماً نفسياً كافياً، وفقاً لموقع “سبرنغر نايتشر لينك”. ينصح الدكتور جمال بأن يحافظ الكبار على هدوئهم قدر الإمكان أثناء صافرات الإنذار، لأن رؤية الأطفال للكبار هادئين يقلل من توترهم ويولد لديهم شعوراً بالأمان والحماية.
كما يوصي بشرح الموقف للأطفال ببساطة ووضوح، مثل القول: “هناك صواريخ في الجو الآن، ومن حقكم أن تقلقوا وتشعروا بالخوف”. ويجب التأكيد على وجود خطة أمان، مثل النزول إلى الملاجئ، مع أهمية تشابك الأيدي لتعزيز الشعور بالوحدة والأمان.
تأثير الخوف المستمر على الدماغ
أكدت دراسات حديثة أن الخوف المستمر يغير طريقة عمل الدماغ لدى الأطفال، مما يجعلهم أكثر حساسية للأصوات المفاجئة وأكثر عرضة للقلق المزمن. كما تشير أبحاث الجمعية الأمريكية للطب النفسي إلى أن الصدمات المتكررة قد تؤثر على النمو العاطفي والاجتماعي وتستمر آثارها لسنوات طويلة إذا لم تُعالج بشكل صحيح.
فهم الاحتياجات العمرية: مقاربات مختلفة
يؤكد الدكتور توفيق ناروز، استشاري الطب النفسي، على ضرورة التعامل مع كل فئة عمرية بطريقة تتناسب معها، لأن الأطفال لا يفهمون السياسة أو أسباب الحروب، لكن أدمغتهم تسجل الخوف. ما لا يُرى من آثار نفسية اليوم قد يتحول إلى قلق مزمن واضطرابات نفسية في المستقبل إن لم تتم حمايتهم الآن.
مرحلة الطفولة المبكرة (3-6 سنوات)
في هذه المرحلة، لا يميز الأطفال بين صوت صافرة الإنذار والتهديد المباشر. يُخزن الخوف كإحساس جسدي، وقد يظهر لاحقاً في صورة كوابيس، أو بكاء مفاجئ، أو تشبث مفرط بالأهل.
مرحلة سن المدرسة (7-12 سنة)
يربط الأطفال في هذا السن الأصوات والصور بمعنى الخطر، ويعيشون صدمة الترقب. ويخلق تكرار الإنذارات والانفجارات شعوراً دائماً بانعدام الأمان حتى في غياب القصف.
استراتيجيات عملية لتعزيز الصمود النفسي
تبسيط الشرح ومنح السيطرة
تشير أبحاث حديثة إلى أن الشرح البسيط والمباشر يقلل من مستوى القلق ويمنح الطفل إحساساً بالسيطرة، مما يجعله أقل توتراً أثناء تجربة الحرب. يقترح الدكتور جمال توزيع مهام بسيطة على الأطفال، مثل تكليف كل منهم بمهمة الحفاظ على دمية أو زجاجة مياه، مما يعطيهم شعوراً بالتحكم ويقلل من التوتر. كما يشدد على أهمية مساعدة الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وقت القصف، وتأكيد حقهم في الشعور بالتوتر والخوف، باعتبار المشاعر جرس إنذار لاتخاذ إجراءات للتخلص من الخطر.
التعبير الإبداعي وتقليل التعرض للأخبار
ينصح الدكتور جمال بتشجيع الأطفال على إخراج مشاعرهم عبر الكتابة والرسم، ومشاركتهم قراءة ما كتبوا ومشاهدة رسوماتهم مع تبرير مشاعر الخوف والقلق لديهم. كما يؤكد على ضرورة التقليل من مشاهدة نشرات الأخبار، أو الامتناع عنها تماماً إن أمكن، والتأكيد للأطفال على أن الأماكن الآمنة، مثل الملاجئ، مصممة لحمايتهم، وأن الأسرة موجودة لحمايتهم.
يجب أن تتناسب طريقة الشرح مع سن الطفل، مع الابتعاد عن التهويل والمبالغة، وتجنب التهوين أيضاً، مثل تصوير الأمر على أنه بسيط ولا يوجد أي خطر. للأطفال حتى عشر سنوات، يجب تبسيط الشرح قدر الإمكان واستخدام أساليب تتماشى مع هذا السن، مثل رواية قصة عن مملكتين نشبت بينهما حرب.
النزوح: تحديات وحلول
يُعد النزوح من المنزل أحد أكثر التجارب إيلاماً للأطفال، لأنه يعني فقدان المكان الذي يمنحهم الأمان والذكريات. وقد يشعر الطفل بالضياع أو الغضب أو الحزن. يعاني مئات الآلاف من الأطفال والمراهقين والنساء من النزوح القسري في مناطق مثل غزة، وسوريا، والسودان، ولبنان، واليمن.
يقول الدكتور ناروز إن “النزوح القسري لا يعني فقدان المنزل فقط، بل فقدان الإحساس بالثبات. عند الأطفال، قد يؤدي هذا إلى قلق انفصالي واضطراب في الهوية، خاصة إذا غاب الشعور بالاستمرارية أو الروتين”.
أهمية الروتين في بيئة النزوح
وفقاً لموقع “سبرنغر نايتشر لينك”، فإن الحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان حتى في مكان النزوح، وتشجيع الأطفال على اللعب، ومنحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم بالرسم أو الحديث أو الكتابة، من شأنه أن يساعد في علاجهم من الصدمات الناتجة عن تجربة النزوح.
يؤكد الدكتور جمال على صعوبة تفادي الآثار السلبية النفسية للنزوح، مشيراً إلى أن الانتقال إلى مكان أكثر أماناً وهدوءً ضروري للحفاظ على الحياة. ويمكن إخبار الأطفال بأننا “نستطيع أن نعمر هذا المكان ونبني فيه ذكريات جديدة”.
خاتمة: دعوة لحماية مستقبل الأجيال
لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط صراعات مسلحة وحروباً عدة في السنوات الماضية، أبرزها الحرب على غزة التي أودت بحياة عشرات الآلاف، ثلثهم من الأطفال والمراهقين. وتستمر المنطقة في مواجهة تحديات كالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. يختتم الدكتور ناروز بالقول: “الحروب قد تُقاس بعدد الضحايا، لكن أثرها الحقيقي يُقاس بعدد الأطفال الذين كبروا وهم يشعرون أن العالم مكان غير آمن”. هذا يؤكد على المسؤولية الجماعية لحماية الأطفال وتوفير الدعم النفسي لهم لضمان مستقبل أفضل.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق