في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، تشهد منطقة الخليج العربي تحولات جيوسياسية غير مسبوقة، حيث لم تعد الملاذ الآمن الذي طالما روّجت له دوله الغنية بالنفط والغاز. فبعد عقود من الاستقرار النسبي، وجدت المنطقة نفسها في قلب “سيناريو كابوسي” طالما أقضّ مضاجع قادتها، وذلك في خضم المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
الخليج: من واحة استقرار إلى ساحة صراع محتمل
لطالما سعت دول الخليج إلى النأي بنفسها عن الصراعات الإقليمية، ودعت الولايات المتحدة إلى تبني حلول دبلوماسية لتجنب التصعيد. إلا أن الرد الإيراني على الضربات الأمريكية والإسرائيلية جاء “متهورًا”، مستهدفًا عواصم خليجية كبرى مثل دبي والرياض والدوحة، التي كانت تُعتبر وجهات آمنة للتجارة والسياحة. هذا التطور أثار غضب قادة الخليج، الذين يدرسون الآن خطوات تصعيدية ضد طهران، بعد أن كانوا دعاة للتهدئة.
على الرغم من الأضرار التي لحقت بقطاعي الأعمال والسياحة في الأيام الأخيرة، إلا أن التقييم الكامل للآثار الاقتصادية بعيدة المدى لهذه الحرب لا يزال مبكرًا. لكن صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية تؤكد أن غياب رؤية واضحة لدى الإدارة الأمريكية والإسرائيلية بشأن “إيران ما بعد الحرب” قد خلق حالة خطيرة من عدم اليقين في المنطقة.
سيناريوهات ما بعد الصراع: تحديات غير مسبوقة
تطرح الفايننشال تايمز سيناريوهين محتملين لمستقبل المنطقة، كلاهما يحمل تحديات جسيمة:
- بقاء النظام الإيراني:
إذا انتهت الحرب دون الإطاحة بالنظام، فإن دول الخليج ستجد نفسها في مواجهة “نمر جريح” أثبت قدرته واستعداده لاستهداف عواصمها.
- سقوط النظام الإيراني: في حال الإطاحة بالنظام، قد تتحول إيران إلى “دولة فاشلة ومفتتة”، وهو ما لا يرجّح أن يشهد انتقالًا سلسًا نحو دولة معتدلة وصديقة، مما يهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها.
على الرغم من قدرة الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، على التعافي وإعادة البناء، فإن الهجمات الأخيرة أظهرت للعالم أن الخليج ليس بمنأى عن الهشاشة والصراع اللذين طالا جزءًا كبيرًا من الشرق الأوسط. ومن المرجح أن يتراجع بريق المنطقة كوجهة آمنة، حتى لو حدث خفض تصعيد سريع.
خطة تسليح الأكراد: ورقة ضغط أم مغامرة خطيرة؟
في سياق متصل، كشفت صحيفة التايمز البريطانية، في مقال لمحررة الشؤون الدولية كاثرين فيليب، عن “خطة أمريكية إسرائيلية” لتسليح قوات كردية في العراق وإيران لمواجهة النظام في طهران. هذه الخطوة تثير مخاوف جدية من اندلاع صراع طائفي وتوسع الحرب الإقليمية لتشمل سوريا وتركيا.
تفاصيل الخطة ومخاطرها
تشير كاثرين فيليب إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب قد تواصل مع قيادات كردية في العراق وإيران لحثهم على دعم هذه الخطة، التي قد تتضمن هجومًا كرديًا مسلحًا وشيكًا في شمال غرب إيران. هذا التوجه يأتي بعد أسابيع قليلة من قرار ترامب بقطع الدعم عن أكراد سوريا، الذين كانوا حلفاء رئيسيين في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، وتحويل الدعم إلى النظام الجديد في دمشق.
الآلاف من أكراد إيران مسلحون بالفعل على الحدود مع العراق، ومعظمهم ينتمون إلى إقليم كردستان العراق. أي محاولة لتسليحهم تتطلب تعاونًا من قيادات كردستان العراق لتسهيل تدفق السلاح. وقد صرح مسؤول كردي إيراني لشبكة سي إن إن بأنهم يرون “فرصة كبرى سانحة” للمشاركة في هجوم بري بدعم أمريكي وإسرائيلي، وقد أُطلق على العملية اسم “جينا”، تخليدًا لذكرى مهسا أميني.
منذ مقتل المرشد الأعلى خامنئي، شنت إسرائيل قصفًا ممنهجًا على نقاط أمنية في مناطق كردية شمال غربي إيران، في ما يبدو تحضيرًا للهجوم. في المقابل، حشد الحرس الثوري الإيراني قوات برية إضافية.
تحذيرات من تداعيات وخيمة
الأكراد هم إحدى المجموعات القليلة المسلحة المناهضة للنظام في إيران، إلى جانب قومية البلوش الانفصالية. بينما تشكل العرقية الفارسية حوالي 80% من سكان إيران البالغ عددهم 93 مليون نسمة، ولا توجد لديها مجموعات مسلحة معارضة كبيرة.
حذر كريم سجادبور، الباحث لدى مؤسسة كارنيغي، من أن هذه الخطة الإسرائيلية-الأمريكية هي “لعب بالنار” قد يؤدي إلى تفتيت المعارضة وتوحيد جبهة النظام كمدافع عن وحدة البلاد. ووصف بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي الأسبق في عهد أوباما، الفكرة بأنها “مرعبة” وقد تحول الصراع إلى “حرب أهلية طائفية وحرب إقليمية شاملة”.
ضرورة احتواء تركيا: لاعب إقليمي جديد؟
في مقال لصحيفة وول ستريت جورنال، تحت عنوان “حاجة ملحة لاحتواء تركيا”، يرى برادلي مارتن، الباحث لدى مركز الشرق الأدنى للدراسات الاستراتيجية، أنه بينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحييد التهديد الإيراني، يجب عليهما ضمان ألا تملأ تركيا الفراغ الإقليمي الناتج، مستذكرًا كيف استغلت إيران سقوط صدام حسين لتوسيع نفوذها.
مواقف تركيا المثيرة للجدل
انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، واصفًا إياها بـ”الانتهاك الواضح” للقانون الدولي، وأعرب عن حزنه لمقتل المرشد الأعلى خامنئي. وعلى النقيض، لم يُظهر أردوغان أي تعاطف مع آلاف الإيرانيين الذين فقدوا حياتهم في مظاهرات يناير، بل أفادت تقارير بتنسيق الحكومة التركية مع طهران لاعتقال متظاهرين إيرانيين على الأراضي التركية.
يعتقد الكاتب أن أردوغان يطمح إلى زعامة العالم الإسلامي، وهو ما يفسر موقف تركيا، العضو في حلف الناتو، تجاه إيران. ويصف مارتن تركيا بأنها شريك “سيئ” لحلف الناتو، مستشهدًا بحادثة عام 2012 عندما قامت تركيا بتسريب معلومات حساسة إلى طهران تتعلق بهوية جواسيس إسرائيليين يعملون على البرنامج النووي الإيراني، وهو ما اعتبره داني ياتوم، الرئيس السابق للموساد، “ضربة للوكالات الغربية”.
تساؤلات حول مستقبل علاقة الناتو بتركيا
يطرح المقال تساؤلات حول استمرارية علاقة حلف الناتو بتركيا، ودورها المحتمل في الشرق الأوسط بعد سقوط النظام الإيراني. ويختتم مارتن بالقول إن على الولايات المتحدة ألا تنسى أن تركيا تعارض سياستها الخارجية وتمثل “صداعًا” لحلفائها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق