السياسة الأمريكية في لبنان
السياسة

الخط الرفيع لواشنطن في لبنان: توازن المصالح في ظل التصعيد الإقليمي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية الصمت حيال الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع تابعة لحزب الله داخل الأراضي اللبنانية. هذا الموقف، الذي قد يبدو محايدًا للوهلة الأولى، يحمل في طياته دلالات عميقة، خاصة وأن واشنطن تصنف حزب الله كأحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، مما يشير إلى موافقة ضمنية على هذه العمليات، ولكن ضمن خطوط حمراء محددة.

لبنان في قلب العاصفة الإقليمية

لم يتمكن لبنان من النأي بنفسه عن دوامة الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط. فبعد أيام قليلة من حملة جوية عنيفة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري، رد حزب الله باستهداف إسرائيل بعدة صواريخ. جاء الرد الإسرائيلي سريعًا ومكثفًا، حيث شنت غارات جوية مركزة على المناطق التي يسيطر عليها الحزب الشيعي، الذي تأسس على يد الحرس الثوري الإيراني عام 1982.

صورة: انفجار في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد غارة إسرائيلية، 6 مارس 2026. تصوير: رويترز / خليل العشاوي.

الموقف الأمريكي: دعم مشروط وخطوط حمراء

يمكن تلخيص الموقف الأمريكي الحالي من الضربات الإسرائيلية في لبنان بوضوح: واشنطن تدعم حق إسرائيل في استهداف “حزب الله” بوصفه وكيلاً لإيران. ومع ذلك، تشدد الإدارة الأمريكية على ضرورة أن تظل هذه الضربات “مركزة” على أهداف الحزب العسكرية، وأن لا تتوسع لتشمل الدولة اللبنانية ومؤسساتها الحيوية، أو أن تتطور إلى حرب شاملة داخل لبنان.

التحذيرات الأمريكية والجهود الدبلوماسية

يؤكد بول شايا، الأستاذ بجامعة جورج واشنطن والمسؤول الاستخباراتي السابق، أن “الدعم الأمريكي لعمليات إسرائيل ضد حزب الله قائم وواضح في سياق مواجهة وكلاء إيران”. ويضيف شايا لـ”الحرة” أن “الفارق الحاسم، من وجهة نظر واشنطن، هو ألا تنزلق إسرائيل إلى استهداف مؤسسات الحكومة اللبنانية أو مرافقها، لأن الولايات المتحدة حليف قوي للحكومة اللبنانية وتريد إبقاء النار محصورة في مساحة الحزب المسلحة، لا في عمق الدولة”.

خلف الكواليس، بذلت واشنطن جهودًا حثيثة قبل اندلاع الصراع مع إيران للحد من أي تصعيد إقليمي. ففي 28 فبراير، أفادت وكالة رويترز أن الرئاسة اللبنانية تلقت رسالة عبر السفارة الأمريكية تؤكد أن إسرائيل “لن تصعد” ضد لبنان ما دامت لا تصدر “أعمال عدائية” من الجانب اللبناني. ومع ذلك، يبدو أن واشنطن كانت تستشعر احتمالية توسع الحرب مع إيران، حيث أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحذيرًا للسفر إلى لبنان بتاريخ 23 فبراير 2026، وأعلنت “أمرًا بمغادرة” الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من بيروت بسبب تدهور الوضع الأمني، مؤكدة أن مستوى التحذير هو المستوى الرابع أي “لا تسافر”، وهي إشارة إضافية إلى أن واشنطن ترى لبنان ساحة قابلة للاشتعال، حتى لو كانت تعمل خلف الكواليس لمنع ذلك.

الموقف اللبناني: رفض الحرب ودعم الدولة

مع بدء الحرب، انتقد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام كلاً من إسرائيل وحزب الله، مؤكدًا أن الدولة والشعب اللبناني “لم يختارا هذه الحرب”. وبالتزامن مع ذلك، حظرت الحكومة اللبنانية الأنشطة العسكرية لحزب الله بوصفها “خارجة عن القانون”، وألزمته بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية.

صورة: الجيش اللبناني خلال جولة إعلامية في جنوب لبنان قرب الحدود مع إسرائيل، 28 نوفمبر 2025. تصوير: رويترز / عزيز طاهر.

لقد سعت الحكومة اللبنانية، التي تولت السلطة قبل عام، إلى نزع سلاح حزب الله بدعم وضغط من الولايات المتحدة. وقد أحرز الجيش اللبناني تقدمًا في هذا الاتجاه في المناطق القريبة من الحدود الإسرائيلية، حيث لم يعرقل حزب الله جهوده لإزالة مخابئ الأسلحة، التزامًا باتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في عام 2024.

في هذا السياق، يوضح شايا أن “الولايات المتحدة تدعم الجيش اللبناني ماليًا وببعض المعدات، وتلتزم بجيش لبناني قوي لضمان أن قرار السلم والحرب يبقى بيد الحكومة لا بيد الميليشيا”. كما يشير إلى أن واشنطن تعمل مع شركاء دوليين مثل فرنسا والمملكة العربية السعودية لحشد دعم دولي للجيش اللبناني عبر مؤتمرات مانحين، وهو مسار تكرر في الأشهر الأخيرة مع إعلان مشترك عن مؤتمر لدعم الجيش وقوى الأمن.

خاتمة

تجد واشنطن نفسها في موقف معقد في لبنان، تسعى فيه للموازنة بين دعم حليفتها إسرائيل في مواجهة التهديدات الإقليمية، وبين الحفاظ على استقرار الدولة اللبنانية ومنعها من الانزلاق إلى صراع أوسع. إن الخط الرفيع الذي تسير عليه الدبلوماسية الأمريكية يعكس تحديات المنطقة المتشابكة، ويؤكد على أهمية دعم المؤسسات الرسمية لضمان سيادة الدولة واستقرارها.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *