أشارت دراسة حديثة إلى أن أدوية GLP-1، المعروفة بفعاليتها في إنقاص الوزن، قد تحمل إمكانات علاجية كبيرة في مجال الإدمان، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة تستدعي المزيد من البحث والتدقيق.
ما هي أدوية GLP-1 وكيف تعمل؟
تُعرف هذه الأدوية، التي تشمل “أوزمبيك” و”ويغوفي” و”مونجارو” و”زيبباوند”، بكونها معتمدة لعلاج مرض السكري والسمنة المفرطة. تعمل هذه الفئة الدوائية على الجهاز الهضمي والدماغ معاً، مؤثرة على عملية الهضم، وتنظيم الإنسولين، والتحكم في الشهية. ويصف العديد من مستخدميها قدرتها على تهدئة الرغبات الشديدة وما يُعرف بـ”ضوضاء الطعام”.
تُحاكي هذه الأدوية هرمون GLP-1 الطبيعي في الجسم، وقد أظهرت نجاحاً ملحوظاً في علاج أمراض القلب والأوعية الدموية، وقصور القلب، وانقطاع النفس النومي، وأمراض الكلى. ويُعد الإدمان على تعاطي المواد المخدرة أحد المجالات الواعدة التالية التي قد تستفيد من هذه الأدوية.
تزايد الاهتمام بإمكانات علاج الإدمان
يؤكد الدكتور دبليو. كايل سيمونز، أستاذ علم الأدوية وعلم وظائف الأعضاء في جامعة ولاية أوكلاهوما، أن هذه الأدوية، إذا ما ثبتت سلامتها وفعاليتها في علاج اضطراب تعاطي المواد المخدرة، ستصبح تلقائياً العلاج الدوائي الأكثر شيوعاً للإدمان نظراً لانتشار استخدامها لأسباب أخرى. ويضيف: “لا نملك جميع البيانات بعد، لكن الاتجاه يسير على المسار الصحيح، وهذه إشارة تبعث على الأمل”.
حتى الآن، ركزت الأبحاث الأولية على الحيوانات، مما ساعد في فهم كيفية تأثير هذه الأدوية على أنظمة المكافأة في الدماغ. كما دعمت دراسات واقعية وروايات شخصية عديدة هذه النتائج الواعدة. ورغم أن بعض التجارب السريرية الصغيرة قد عززت الآمال، خاصة في اضطراب تعاطي الكحول، إلا أن الحاجة لا تزال ماسة لتجارب أكبر وأكثر شمولاً، وفقاً للدكتور دانيال دراكر من جامعة تورونتو.
من المتوقع أن تظهر هذه الإجابات قريباً، مع تزايد الاهتمام والاستثمار في تجارب أدوية GLP-1 في مجال الإدمان. ويشير سيمونز إلى أن “هذا المجال يشهد الآن اهتماماً هائلاً، وهناك عدد قليل من التجارب المصممة جيداً والقوية إحصائياً ستصدر نتائجها خلال الأشهر الستة المقبلة، وتحديداً بشأن اضطراب تعاطي الكحول وأدوية GLP-1”.
دراسة رائدة من شؤون المحاربين القدامى
في انتظار نتائج التجارب السريرية الكبرى، تستمر دراسات مثل التحليل الأخير للسجلات الطبية في تعزيز هذا الأمل. فقد قام باحثون في كلية الطب بجامعة واشنطن بسانت لويس بتحليل نتائج اضطرابات تعاطي المواد لدى أكثر من 600 ألف شخص مصاب بالسكري من النوع الثاني، بالاعتماد على قواعد بيانات وزارة شؤون المحاربين القدامى في الولايات المتحدة. وقد عولج هؤلاء إما بأدوية GLP-1 أو بأدوية من فئة مثبطات SGLT-2.
كشفت الدراسة، التي نُشرت في المجلة الطبية البريطانية، أن الأشخاص الذين استخدموا أدوية GLP-1 كانوا أقل عرضة للإصابة بمجموعة من اضطرابات تعاطي المواد أو لحدوث نتائج سلبية، مثل الاستشفاء أو الجرعة الزائدة، إذا كانوا قد شُخّصوا بالفعل بأحد هذه الاضطرابات.
علق الدكتور زياد العلي، عالم الأوبئة السريرية ورئيس خدمة البحث والتطوير في نظام الرعاية الصحية لشؤون المحاربين القدامى في سانت لويس، الذي قاد الدراسة، قائلاً: “نحن نتحدث عن دواء للسكري والسمنة المفرطة، ولا نتحدث عن دواء للإدمان”. وأضاف أن “المفاجئ هو اتساع نطاق التأثير وثباته عبر جميع هذه المواد المختلفة”. وقارن العلي وفريقه خطر تشخيص الأشخاص باضطرابات تعاطي المواد المرتبطة بالكحول، والقنب، والكوكايين، والنيكوتين، والأفيونات وغيرها. ووجدوا أن استخدام أدوية GLP-1 ارتبط بانخفاض عدد الحالات بنحو سبعة أشخاص من كل ألف شخص يُصابون بأي اضطراب جراء تعاطي المواد خلال فترة الدراسة التي امتدت على ثلاثة أعوام.
من جانبه، أشار الدكتور كريستيان هيندرشوت، مدير الأبحاث السريرية بمعهد علوم الإدمان في جامعة جنوب كاليفورنيا، الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة ولكنه أجرى تجارب على أدوية GLP-1 في مجال الإدمان، إلى أن “من أكثر الجوانب الواعدة في هذه النتائج وجود أدلة على تأثيرات وقائية محتملة عبر أنواع عدة من اضطرابات تعاطي المواد في مجموعة البيانات ذاتها”. وأبرز هيندرشوت بشكل خاص النتائج المتعلقة باضطراب تعاطي الكوكايين والقنب، “وهما حالتان لا أدوية لهما حالياً”.
تأثير محتمل على وفيات الجرعات الزائدة
كما أشارت الدراسة إلى أن هذه الأدوية قد تساهم في تقليل المخاطر لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من اضطرابات تعاطي المواد المخدرة. وقال العلي: “حجم انخفاض الخطر الذي لاحظناه كان كبيراً جداً، إذ لاحظنا انخفاضاً بنسبة 50% في الوفيات المرتبطة بالمخدرات”.
تُعد وفيات الجرعات الزائدة من المخدرات مشكلة صحية عامة خطيرة، حيث تجاوزت 79 ألف وفاة في الولايات المتحدة خلال عام 2024 (وفقاً للتقديرات أو البيانات الحديثة). ورغم أن معدل الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة شهد انخفاضاً مؤخراً، يُعزى ذلك إلى عوامل متعددة مثل تغيرات في إمدادات المخدرات، وزيادة إتاحة العلاج، وتوسع استخدام دواء النالوكسون. فهل يمكن لأدوية GLP-1 أن تساهم في هذا الانخفاض؟ يرى العلي أن ذلك ممكن، لكن تحديد حجم مساهمتها أمر صعب.
ومع ذلك، أبدى الدكتور كاليب ألكسندر، أستاذ علم الأوبئة بكلية بلومبرغ للصحة العامة في جامعة جونز هوبكنز، تحفظاً على حجم التأثير الظاهر في وفيات الجرعات الزائدة، واصفاً إياه بأنه “أكبر من أن يكون قابلاً للتصديق”، رغم إشادته بقوة الدراسة الجديدة. وأوضح ألكسندر، الذي لم يشارك في البحث، أن “المشكلة الأساسية هي أن الأشخاص الذين يبدأون استخدام أدوية GLP-1 قد يختلفون في جوانب مهمة عن الأشخاص الذين يبدأون بأدوية أخرى لعلاج السكري”. فقد يكون هؤلاء المرضى أكثر رغبة في تغيير سلوكهم، أو أكثر تفاعلاً مع الرعاية الصحية، أو يتلقون متابعة طبية أكثر كثافة، مما قد يؤثر على النتائج.
وأضاف سيمونز أن الدراسة التي أُجريت على سجلات المحاربين القدامى تضم في غالبيتها رجالاً، وأن المشاركين فيها أكبر سناً من عامة السكان، مما يثير تساؤلات حول إمكانية تعميم هذه النتائج.
الدعوة إلى مزيد من التجارب السريرية
لهذه الأسباب، شدد سيمونز على الأهمية القصوى لإجراء المزيد من التجارب العشوائية المضبوطة، التي تضمن تشابه المجموعات وتقييم سلامة وفعالية العلاج بدقة. ويقود سيمونز حالياً تجربة لتقييم استخدام سيماغلوتايد (المادة الفعالة في أوزمبيك) لتقليل استهلاك الكحول، كما تُجرى تجربة مماثلة في المعهد الوطني لتعاطي المخدرات في بالتيمور.
هناك أيضاً خطط وتجارب جارية تتعلق باضطراب تعاطي الكوكايين والأفيونات. وقد أعلنت شركة نوفو نورديسك، المصنّعة لأوزمبيك، أنها ستدرس تأثير أدويها على استهلاك الكحول ضمن تجربة تشمل أشخاصاً يعانون مرض الكبد المرتبط بالكحول. كما تختبر شركة إيلاي ليلي، التي تنتج مونجارو، دواءً تجريبياً يُسمى برينيباتايد لعلاج اضطرابات تعاطي الكحول، والتبغ، والأفيونات.
توضيح حول مخاوف السلامة
تجدر الإشارة إلى أن أحد المخاوف السابقة المتعلقة بأدوية GLP-1 كان احتمال ارتباطها بزيادة خطر الانتحار أو الأفكار الانتحارية، مما دفع الجهات التنظيمية الأوروبية إلى فتح تحقيق في عام 2023. إلا أن دراسات لاحقة، بما في ذلك مراجعة واسعة للسجلات الصحية في الولايات المتحدة، لم تجد مثل هذا الارتباط، وتضيف هذه الدراسة الجديدة مزيداً من الأدلة التي تدعم سلامة هذه الأدوية في هذا الجانب.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق