طائرة إخلاء إماراتية في مطار بورتسودان
المجتمع

مأزق السودانيين في الخليج: هروب من حرب إلى مواجهة توترات إقليمية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

يجد آلاف السودانيين المقيمين في دول الخليج أنفسهم في مواجهة تحدٍ جديد، حيث تضيق الخيارات أمامهم مع تصاعد المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. هؤلاء الذين فرّوا من ويلات الحرب في السودان بحثًا عن الاستقرار، يجدون أنفسهم اليوم في قلب صراع إقليمي تتزايد حدته يومًا بعد يوم، مما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبلهم.

تصاعد التوترات الإقليمية يطال الاستقرار المنشود

كانت دول الخليج بمثابة ملاذ آمن لقطاع واسع من السودانيين الذين نزحوا بعد اندلاع الصراع المسلح في بلادهم في أبريل 2023. إلا أن التطورات الأخيرة في المنطقة، بما في ذلك التقارير عن تفجيرات في الإمارات، أعادت شبح عدم الاستقرار إلى الواجهة، مهددةً بذلك الهدوء النسبي الذي سعوا إليه.

رحلة هروب مزدوجة: شهادات حية

تعكس تجربة “محمد إبراهيم” (اسم مستعار) حجم المعاناة والقلق. فقد اضطر محمد لقطع مسافة 1650 كيلومترًا برًا من أبو ظبي إلى مكة المكرمة في رحلة استغرقت 19 ساعة متواصلة. كان قد قدم إلى الإمارات لقضاء إجازة مع أسرته التي لجأت هناك فور اندلاع الحرب في السودان. يقول إبراهيم: “انتهت مواعيد زيارتي بالتزامن مع بداية التفجيرات في الإمارات، ما دعاني لأغادر وأترك أبنائي في إمارة العين التي تعتبر آمنة إلى حد كبير، لكن رغم ذلك لا يفارقني خوفي عليهم”.

وفي الدوحة، تعيش سيدة فضلت عدم الكشف عن اسمها، حالة من اضطراب ما بعد الصدمة نتيجة لمعايشتها أحداث الحرب في السودان. تصف شعورها قائلة: “لم أصدق خروجي بسلام من الخرطوم، وكان وصولي إلى الدوحة والعمل فيها فرصة جيدة للبدء من جديد. عندما سمعت أول انفجار رغم بعده، إلا أنني توترت وأحسست أن لعنة الحرب تطاردني”. ورغم إقامتها في منطقة بعيدة عن مواقع التفجيرات، إلا أن ذكرياتها المؤلمة عن هجوم قوات الدعم السريع على ود مدني بولاية الجزيرة، ورحلة النزوح الشاقة، تجعلها عاجزة عن التعايش مع أي مؤشرات للتوتر. تتساءل: “نريد فقط مكاناً لا نفكر فيه كل ليلة بأننا هل سنضطر للهرب مرة أخرى؟”. وتؤكد أنها لا تملك خططًا بديلة، خاصة وأنها أصبحت المعيل الوحيد لأسرتها.

السودان: أزمة إنسانية متفاقمة تدفع للهجرة

لقد أدت الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. تشير بيانات الأمم المتحدة إلى تجاوز عدد النازحين واللاجئين السودانيين 11 مليون شخص، مما يجعلها من أكبر الأزمات عالميًا من حيث عدد المتضررين. كما تحذر الوكالات الأممية من تفاقم خطر المجاعة وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من البلاد، مع تضاعف عدد القتلى المدنيين في عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة.

هذا الواقع المأساوي دفع مئات الآلاف من السودانيين للبحث عن فرص خارج بلادهم، وكانت دول الخليج وجهة رئيسية لهم بفضل التقارب التاريخي وتوفر فرص العمل والاستقرار النسبي الذي كانت تتمتع به المنطقة.

الخليج: ملاذ مؤقت أم محطة جديدة للقلق؟

تستضيف دول الخليج جاليات سودانية كبيرة، تُعدّ من بين الأقدم والأكثر استقرارًا نسبيًا في المنطقة. ففي المملكة العربية السعودية، يُقدر عدد السودانيين بأكثر من 1.5 مليون نسمة، يضمون مقيمين قدامى ووافدين جدد. أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فتشير التقديرات إلى وجود نحو 200 ألف سوداني، بينما تستقر عشرات الآلاف من الأسر في قطر وسلطنة عُمان، وقد انتقل الكثير منهم بعد اندلاع الحرب مباشرة في السودان.

لا يقتصر دور هذه الجاليات على الوجود السكاني فحسب، بل تمثل تحويلاتهم المالية شريان حياة لملايين الأسر داخل السودان، في ظل التدهور الاقتصادي وتعطل قطاعات واسعة من الدولة. هذا يعني أن أي اضطراب اقتصادي أو أمني في دول الخليج سينعكس سلبًا ومباشرة على الوضع المعيشي للعاملين هناك، وبالتالي على الأسر التي تعتمد عليهم في السودان.

وعلى الرغم من بعض التسهيلات التي قدمتها دول خليجية للسودانيين بعد اندلاع الحرب، يطالب كثير من أبناء الجاليات بخطط طوارئ أوضح وتنسيق أكبر بين السفارات السودانية والسلطات المحلية، وذلك تحسبًا لأي مستجدات طارئة قد تطرأ على الساحة الإقليمية.

تداعيات جيوسياسية على مستقبل الجالية السودانية

ترى الكاتبة الصحفية مروة الأمين أن الدافع الأساسي لهجرة السودانيين إلى الخليج كان الاستقرار الذي تتمتع به المنطقة، واستبعادهم التام لحدوث أي نزاعات فيها. وتضيف أن سهولة إجراءات الدخول، مقارنة بدول أخرى في آسيا وأوروبا، سهلت قدوم السودانيين إلى الخليج، غالبًا عبر أسرهم المقيمة سلفًا.

وفي الوقت الذي يملك فيه بعض الوافدين من جنسيات أخرى خيار العودة إلى أوطان مستقرة نسبيًا في حال تصاعد التوترات الإقليمية، يواجه السودانيون معادلة أكثر تعقيدًا. فبلادهم لا تزال غارقة في صراع مفتوح، بينما تقع بلدان إقامتهم الحالية في نطاق توترات جيوسياسية حساسة تشمل مياه الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز. وتلفت الكاتبة مروة الأمين إلى أن “أي تصعيد واسع النطاق في هذه المناطق قد يؤثر في حركة الملاحة وأسواق الطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على الاقتصادات المحلية وفرص العمل، وبالتالي على تحويلات المغتربين”، مما يفاقم من معاناة السودانيين ويضعهم أمام تحدي الهروب المزدوج.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *