صورة لقافلة تجارية تاريخية تعبر الصحراء، ترمز للروابط القديمة بين تندوف والمغرب.
السياسة

تندوف: عودة الموسم.. استعادة التاريخ والهوية المغربية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

ليست كل القضايا مجرد نزاعات حدودية على الخرائط، بل تتجاوزها لتلامس جوهر الذاكرة والهوية، وتمثل امتدادًا طبيعيًا لشعوب عبر قرون. من هذا المنطلق، فإن الحديث عن عودة “موسم تندوف” لا يقتصر على استعادة سوق تقليدي فحسب، بل يرمز إلى استعادة التاريخ لمساره الطبيعي.

تندوف: امتداد تاريخي وجغرافي

لم تكن الأجيال السابقة تعترف بالخطوط المستقيمة التي رسمها الاستعمار على الورق، بل كانت تعرف المسالك والدروب التي تربط بين المناطق. كانت تندوف، كما تروي لنا الحكايات الشفهية المتوارثة، محطة أساسية ومألوفة على هذه الطرق، ولم تُعتبر يومًا أرضًا غريبة أو بعيدة، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من مجال جغرافي وثقافي واحد.

تحكي الجدات عن رحلات الأجداد نحو الموسم، من مناطق مثل واد نون، حيث كانت المسافات تُقاس بالمسير والمعرفة العميقة بالتضاريس، لا بالحدود السياسية المصطنعة. كانت القوافل تنطلق محملة بالبضائع، تسلك دروبًا تعرفها القبائل عن ظهر قلب، لتصل إلى سوق تندوف النابض بالحياة، حيث كانت الصفقات تُعقد بالمصافحة وتتبادل الأحاديث حتى غروب الشمس، في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية والاقتصادية.

توقف الموسم: تأثير الاستعمار والتوترات الإقليمية

تغير هذا المشهد الطبيعي مع فرض الاستعمار الفرنسي لخرائط قسمت ما كان متصلاً. ورغم أن هذه الحدود لم تكن في البداية حاجزًا منيعًا أمام حركة الناس، إلا أن الوضع تعقد بشكل كبير مع ظهور جبهة الجبهة الانفصالية في سبعينيات القرن الماضي. توقف على إثر ذلك موسم تندوف، أُغلقت الطرق، وانقطعت صلات تاريخية وطبيعية استمرت لأجيال.

آفاق جديدة: عودة محتملة للروابط التاريخية

اليوم، تشهد المنطقة تحولات عميقة، حيث تتزايد المؤشرات التي توحي ببوادر مرحلة جديدة. الدعم المتنامي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، وتبدل موازين القوى الإقليمية، كلها عوامل يرى فيها الكثيرون فرصة لعودة الصحراويين المغاربة المحتجزين إلى وطنهم الأم، للاستقرار في المدن الحضرية الكبرى بالأقاليم الجنوبية، والاستفادة من البنية التحتية المتطورة والفرص الاقتصادية التي توفرها مدن مثل العيون والداخلة.

في هذا السياق، يُتوقع أن تنتهي مرحلة توظيف النزاع لأجندات سياسية إقليمية، مما قد يفتح صفحة جديدة لإعادة قراءة التاريخ والجغرافيا، واسترجاع المغرب لامتداده الطبيعي في مناطق مثل تندوف وبشار.

تندوف: عاصمة للشرق الجنوبي للمملكة

عند تحقق هذه الرؤية، لن تكون عودة موسم تندوف مجرد حدث عادي، بل ستكون إيذانًا بانطلاق مشاريع تنموية كبرى، لتحويل تندوف إلى عاصمة حقيقية للشرق الجنوبي للمملكة. ستستعيد المدينة دورها التاريخي كمركز إشعاع تجاري وثقافي، ويعود موسمها السنوي المعتاد كل صيف، ليس كذكرى من الماضي، بل كرمز لمرحلة جديدة من الازدهار والاندماج.

طموح يستند إلى الذاكرة

قد يرى البعض أن هذا الطموح كبير، لكنه طموح راسخ يستند إلى ذاكرة الأجداد وحكاياتهم، وإيمان عميق بأن الجغرافيا التي جمعت الناس لقرون طويلة لا يمكن أن تظل رهينة لخرائط ظرفية إلى الأبد. سيعود الموسم يومًا ما، أولاً في وجدان الناس، ثم على أرض الواقع، ليؤكد أن حكايات الجدات لم تكن مجرد نوستالجيا، بل كانت انتظارًا لزمن يعود فيه التاريخ إلى مجراه.

تجسيد التراث: مشاركة في المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية

وفي إطار هذا المسعى لتجسيد التراث وإحيائه أمام الأجيال الجديدة، يسرني أن أعلن عن مشاركتي في تنظيم إحدى فعاليات المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية الذي سيقام في أكادير، والذي يندرج ضمن رؤية أوسع لإحياء “موسم تندوف” الرمزي.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *