في سياق التوجهات الوطنية الرامية إلى تحفيز الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية، تشهد مدينة تازة وضعاً يثير القلق، حيث تواجه المشاريع التنموية المحلية والوطنية عقبات غير مرتبطة بالجدوى الاقتصادية. هذه العقبات، التي يصفها بعض المتتبعين للشأن المحلي بـ”التجاذبات السياسية”، تحوّل الإجراءات الإدارية، لا سيما تراخيص التعمير، إلى أدوات ضغط قد تخدم مصالح انتخابية أو حزبية ضيقة، مما يؤثر سلباً على جاذبية المدينة الاقتصادية ويعرقل مسارها التنموي.
تسييس المساطر الإدارية: تحدي لثقة المستثمرين
يرى خبراء ومراقبون أن هذه الممارسات قد تفرغ السياسات العمومية الداعمة للاستثمار من جوهرها. فبدلاً من توفير بيئة محفزة لرؤوس الأموال، يجد المستثمرون أنفسهم أمام تعقيدات إجرائية وتأخيرات غير مبررة ولجان تسويف. تشير بعض المعطيات إلى أن هذه العراقيل قد تُستخدم أحياناً كوسيلة غير مباشرة للضغط على المستثمرين، بهدف دفعهم نحو الانحياز لأطراف سياسية معينة أو الخضوع لمساومات تسبق الاستحقاقات الانتخابية.
تعتمد هذه الآليات، وفق مصادر مطلعة، على استخدام ملف التعمير والبناء، حيث يتم تعطيل رخص البناء أو تعقيد الموافقة على التصاميم، مما يضع المستثمرين تحت ضغط مالي وزمني كبير، قد يدفعهم إلى التراجع عن مشاريعهم أو نقلها إلى مدن أخرى توفر مناخاً استثمارياً أكثر شفافية واستقراراً.
مشروع “أكديطال” الصحي: نموذج للتعثر
من أبرز الأمثلة على هذه البيروقراطية التي تُوصف بالمسيسة، مشروع إحداث فرع لمجموعة “أكديطال” الصحية الرائدة بمدينة تازة. هذا المشروع، الذي تبلغ قيمته الاستثمارية مليارات الدراهم، أصبح محط نقاش محلي واسع بسبب التأخير الذي طاله. لا يمثل هذا المشروع استثماراً مالياً فحسب، بل هو ضرورة اجتماعية ملحة؛ فهو يهدف إلى إنشاء مؤسسة استشفائية خاصة بحي “بين الجرادي”، بطاقة استيعابية تصل إلى 65 سريراً، ومجهزة بأحدث التقنيات الطبية.
كان من المتوقع أن يقدم هذا المستشفى خدمات طبية متطورة لساكنة الإقليم، مما يخفف الضغط الكبير على المركز الاستشفائي الإقليمي “ابن باجة” وينهي معاناة المرضى الذين يضطرون للتنقل إلى مستشفيات فاس أو الرباط في الحالات الحرجة. بالإضافة إلى بعده الصحي، يحمل المشروع وعوداً اقتصادية مهمة، حيث سيساهم في توفير حوالي 60 منصب شغل مباشر لأبناء المنطقة، فضلاً عن عشرات فرص العمل غير المباشرة في قطاعات الأمن والنظافة والتموين والنقل.
تداعيات عرقلة المشاريع على التنمية المحلية
على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لمشروع “أكديطال”، تؤكد مصادر مقربة من الملف أن مسار التراخيص الخاصة به شهد تأخراً غير مبرر، يُرجع إلى تدخلات سياسية محلية يُعتقد أنها تسعى لاستغلال المشروع أو جعله ورقة ضغط. ويُعتبر تحويل استثمار في قطاع حيوي كالصحة إلى رهينة لحسابات انتخابية ضيقة، “جريمة اقتصادية واجتماعية” في حق مدينة تازة وسكانها.
تحذر فعاليات اقتصادية من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى “هجرة رؤوس الأموال”، فالمستثمرون يبحثون دائماً عن بيئة إدارية مستقرة وواضحة، تحكمها سيادة القانون وليس مزاجية الفاعلين السياسيين. إن تعطيل مثل هذه المشاريع لا يضر بالمستثمر وحده، بل يلحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد المحلي، ويحرم خزينة الجماعة من مداخيل ضريبية مهمة، ويقضي على آلاف فرص الشغل التي ينتظرها شباب المنطقة.
دعوات لتدخل عاجل وتعزيز الحكامة
أمام هذا الوضع المقلق، تتصاعد أصوات المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين بتازة، مطالبة بتدخل عاجل من السلطات المركزية والولائية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية والمراكز الجهوية للاستثمار، لإنهاء هذا الحصار المفروض على الاستثمار. وتشدد هذه الدعوات على ضرورة تعزيز الحكامة المحلية، ورقمنة مساطر الاستثمار بشكل كامل للحد من التدخل البشري والابتزاز المحتمل، مع تحصين قطاع التعمير من أي توظيف سياسي أو انتخابي.
كما تطالب المصادر المهتمة بتفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وفتح تحقيق معمق في أسباب تعثر المشاريع التنموية بالمدينة، وعلى رأسها مشروع مصحة “أكديطال”، والعمل على تيسير وتسريع التراخيص المرتبطة بها وفقاً للقانون، وذلك حماية للمستثمرين، وضماناً لحق الساكنة في التنمية والخدمات الصحية اللائقة، وانتصاراً للمصلحة العامة على حساب المصالح السياسية العابرة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق