تجد بغداد نفسها على أعتاب قرار حاسم قد يغير مسار اقتصادها، حيث كشف مستشار حكومي عراقي، يوم الأربعاء، أن البلاد باتت على بعد أيام قليلة من إيقاف كامل لإنتاج النفط المخصص للتصدير من حقولها الجنوبية. يأتي هذا التطور في ظل تصاعد حدة التوترات الأمنية في مضيق هرمز، الشريان الحيوي للتجارة العالمية.
مضيق هرمز: شريان معطل وتداعيات عالمية
لليوم الخامس على التوالي، تشهد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز توقفاً شبه تام، إثر هجمات إيرانية استهدفت عدة سفن، وذلك في سياق الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. هذا الاضطراب أدى إلى خنق ممر بحري حيوي يمر عبره ما يقارب 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية، مما يضع ضغوطاً هائلة على أسواق الطاقة الدولية.
تحديات لوجستية ومالية خانقة
أوضح المستشار الحكومي العراقي، الذي فضل عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية المعلومات، أن مستودعات التخزين النفطية في العراق قد بلغت طاقتها القصوى وامتلأت بالكامل. ويعزى هذا الوضع إلى غياب الناقلات المستعدة للتحميل، أو رفض بعضها العبور عبر المضيق بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة. ولم تقتصر التحديات على الجانب اللوجستي فحسب، بل امتدت لتشمل الجانب المالي، حيث ارتفعت كلف التأمين على الشحنات النفطية بنحو 200 بالمئة مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الصراع.
وفي هذا السياق، أكد المستشار الحكومي أن “ليس لدينا خيار سوى إيقاف الإنتاج لأغراض التصدير الخارجي والاكتفاء بتغطية الاستهلاك المحلي.”
تأثير مباشر على الاقتصاد العراقي
يُنتج العراق حالياً حوالي 4.4 مليون برميل من النفط يومياً، يخصص منها قرابة مليون برميل للاستهلاك المحلي. ومن المتوقع أن يؤدي توقف التصدير إلى خسائر اقتصادية فادحة تقدر بما بين 6 و7 مليارات دولار شهرياً. هذا السيناريو يهدد بشكل مباشر قدرة الحكومة العراقية على تغطية نفقاتها الأساسية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين، والأجور التشغيلية، ومصروفات مؤسسات الدولة.
وكانت وزارة النفط العراقية قد أعلنت، يوم الثلاثاء، عن تقليص إنتاج النفط الخام في الحقول الجنوبية بمحافظة البصرة، التي تشكل نحو 80% من إجمالي إنتاج البلاد. وأفاد مسؤولون عراقيون لوكالة رويترز أن العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، قد يضطر إلى خفض إنتاجه بأكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال أيام قليلة إذا استمر تعذر وصول ناقلات النفط بحرية إلى نقاط التحميل.
وتشير بيانات تتبع السفن الصادرة عن شركة فورتيكسا إلى انخفاض حاد في عدد ناقلات النفط الخام العابرة للمضيق، حيث وصل إلى أربع سفن فقط في الأول من مارس، أي في اليوم التالي لاندلاع الحرب، مقارنة بمتوسط 24 ناقلة يومياً منذ يناير. ولا تزال مئات الناقلات المحملة بالنفط والغاز الطبيعي المسال عالقة قرب مراكز رئيسية، مثل ميناء الفجيرة في الإمارات، مما يعيق وصولها إلى عملائها في آسيا وأوروبا ومناطق أخرى.
تهديدات تتجاوز النفط: الأمن الغذائي على المحك
لا تقتصر المخاوف العراقية على قطاع النفط وحده، بل تمتد لتشمل واردات السلع الغذائية الأساسية التي يعتمد عليها البلد بشكل كبير، والتي يصل معظمها عبر الموانئ الجنوبية. ورغم أن مخزون البلاد من المواد الأساسية كالدقيق والأرز وزيت الطعام والبقوليات يكفي لنحو ستة أشهر، إلا أن أسعار الخضروات والمواد اليومية مرشحة للارتفاع بشكل كبير مع تعطل طرق التجارة عبر هرمز، وعدم قدرة الاستيراد من دول الجوار مثل تركيا والأردن على تلبية كامل الطلب المحلي.
كما أشار المستشار إلى أن استمرار الاستيراد من إيران بات محل شك أيضاً، في ظل الحرب وإغلاق بعض المنافذ الحدودية. ويذكر أن العراق كان يستورد يومياً منتجات زراعية من إيران بقيمة تتراوح بين 300 و400 ألف دولار، تشمل الطماطم والخيار والباذنجان والفلفل.
خيارات حكومية محدودة ومستقبل غامض
تتوقع الحكومة العراقية، وفقاً للمستشار، أن تكون الحرب قصيرة الأجل، بمدة تتراوح بين أسبوع و10 أيام. لكن في حال استمرارها لفترة أطول، فإن ذلك سيقود إلى “كارثة مالية” قد تعجز معها البلاد عن دفع الرواتب.
ويتمثل الخيار المطروح حالياً لتجاوز الأزمة في الاقتراض من البنك المركزي العراقي. وفي هذا الصدد، كشف المستشار عن وجود اتصالات بين الحكومة والبرلمان لإصدار قرار يجيز ذلك، خاصة وأن الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال ولا تملك صلاحيات اتخاذ قرارات استراتيجية دون تفويض تشريعي. وأكد أن هذا الخيار قد يوفر حلاً مؤقتاً لمدة شهر أو شهرين، لكن الأوضاع المالية والاقتصادية ستزداد تعقيداً وصعوبة إذا طال أمد الحرب.
الموقف الدولي: وعود أمريكية بتأمين الملاحة
في سياق متصل، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق بتوفير التأمين والمرافقة البحرية للسفن المصدرة للطاقة من المنطقة. كما أعلن البيت الأبيض، يوم الأربعاء، أن وزارتي الدفاع (البنتاغون) والطاقة الأميركيتين تعملان على وضع خطط لضمان سلامة ناقلات النفط المارة عبر مضيق هرمز في ظل الحرب في إيران، دون تقديم تفاصيل حول التوقيت المحدد لتنفيذ هذه الخطط.
يُذكر أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا، يوم السبت، شن غارات على أهداف في أنحاء إيران، مما دفع إيران إلى شن ضربات انتقامية ضد بنى تحتية للطاقة في دول خليجية، شملت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وسلطنة عمان والبحرين.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق