صورة للدكتور نصر حامد أبو زيد وهو يتحدث في ندوة فكرية.
منوعات

نصر حامد أبو زيد: جدل الدراسات القرآنية بين التأويل النقدي والتحديات الأيديولوجية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تُعد الدراسات القرآنية المعاصرة ميدانًا خصبًا للنقاش الفكري، حيث تتراوح الرؤى بين التأويل العلمي الرصين والتأثر بالتضليل الأيديولوجي. في هذا السياق، يبرز اسم الدكتور نصر حامد أبو زيد كأحد أبرز المفكرين الذين أحدثوا جدلاً واسعًا في المشهد الثقافي العربي، من خلال مشروعه النقدي الرائد في قراءة النص الديني وتأويله.

نبذة عن مسيرة نصر حامد أبو زيد الفكرية

وُلد الدكتور نصر حامد أبو زيد عام 1934 في إحدى قرى طنطا بمحافظة الغربية في مصر. بدأ مسيرته التعليمية بالحصول على دبلوم من الثانوية الصناعية، وعمل في هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية. لاحقًا، التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، حيث تخصص في دراسة اللغة العربية وآدابها، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1972، ثم الماجستير في الدراسات الإسلامية عام 1976، والدكتوراه في التخصص ذاته عام 1979. شغل أبو زيد منصب أستاذ بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، ثم أستاذًا بجامعة ليدن في هولندا، وأستاذًا زائرًا بجامعة أوساكا للغات الأجنبية باليابان.

من أبرز أعماله الفكرية التي أثرت المكتبة العربية: “فلسفة التأويل”، “مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن”، “نقد الخطاب الديني”، “الخطاب والتأويل”، “هكذا تكلم ابن عربي”، و”إشكاليات القراءة وآليات التأويل”. وقد أثارت جرأته العلمية وتعمقه في دراسة النص القرآني وتأويله الكثير من الجدل، الذي وصل إلى حد اتهامه بالردة والإلحاد.

“النص، السلطة، الحقيقة”: قراءة نقدية للخطاب الديني

يضم كتاب “النص، السلطة، الحقيقة – الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة” مجموعة من الدراسات التي نشرها الدكتور أبو زيد منذ عام 1990. يقدم فيه قراءة نقدية لخطاب النهضة، الذي اعتبره مسؤولاً عن القراءة التلفيقية الموجهة أيديولوجيًا للتراث العربي الإسلامي. ويدعو في المقابل إلى دراسة نقدية تفكيكية للنصوص الدينية والتراثية، والاستفادة من المناهج الحديثة كالسميولوجيا والهرمنيوطيقا “للتحرر” من التفسيرات الأيديولوجية المعطلة للعقل.

يركز المؤلف في هذا الكتاب على عدة قضايا وإشكاليات بارزة، منها:

تاريخية النص القرآني

اعتبر أبو زيد أن النص الديني نزل في سياق تاريخي وثقافي محدد، وليس منتجًا خارج الزمان والمكان. ودعا إلى “تفكيك بنيته المفهومية التي استقرت في الوعي الديني حتى اتخذت شكل ‘العقيدة’ المنزلة”. وقد اتخذ من مفهوم “خلق القرآن الكريم” الاعتزالي مبدأً لإبطال القول بقدم أو أزلية الخطاب الديني.

إشكالية السلطة المعرفية وتأويل النص

ناقش أبو زيد إشكالية انتزاع النص القرآني من سياقه التاريخي واللغوي والثقافي، وكشف بنية القراءات الأيديولوجية للنص الديني وكيف استُخدمت لغرض إرادة الهيمنة السياسية والاجتماعية عبر احتكار “الحقيقة” وتأويلها. وأشار إلى أن “سيادة الأفكار وهيمنتها تم وما زال يتم بأدوات القهر والقمع السلطوي.. وكما حاول المأمون فرض فكرة المعتزلة حاول خلفاؤه قتل فكرة المعتزلة وفرض فكرة خصومهم” (المرجع أعلاه – ص69).

نقد التراث الكلامي والفقهي

كشف أبو زيد عن البنية الأيديولوجية التي تطمس التعددية في فهم النص القرآني. ولفك هذه الإشكالية، دعا إلى “إدراك العمق التاريخي للتراث .. وإدراك تعددية هذا التراث من حيث الرؤى والتوجهات .. وإنجاز وعي علمي بالتراث يضعه في سياقه التاريخي ويدرك إنجازاته التي أضيفت لرصيد الحضارة الإنسانية” (نفس المرجع -ص 14-).

دعوة لتجديد الخطاب الديني

دعا أبو زيد إلى تجديد الخطاب عبر استخدام أدوات حديثة في قراءة النص الديني، مثل اللسانيات وعلم السرد، لتجاوز القراءات المغلقة.

منهج أبو زيد وأهدافه

يتبنى الدكتور أبو زيد منهجًا تحليليًا نقديًا (تفكيكيًا) لزحزحة المفاهيم التقليدية حول “الأزلية” المطلقة في تأويل النص الديني. سعى لتقديم قراءة “موضوعية” تخرج بالنص من حيز “الصراع على السلطة” إلى حيز “المعرفة والإنسانية”. ومنهجه عنده “ينطلق من حقيقة أن قراءة ‘التراث’ وقراءة ‘النص’ الديني تتجلى في شكل خطابات تستوجب التحليل من أجل الكشف عن الدلالات الصريحة والمضمرة وصولاً إلى ‘بنية’ الخطاب أسلوبيًا وسرديًا” (نفس المرجع – ص8).

جدل واسع حول قراءته للنص الديني

فجرت المؤلفات التي أنتجها الدكتور أبو زيد حول نقد الخطاب الديني ضجة كبيرة منذ تسعينيات القرن الماضي، بفعل الصدمة التي أحدثها في بنية العقل العربي الجمعي. فقد ركز الكاتب على البعد اللغوي للنص الديني، وأخرج النص المؤسس (القرآن الكريم) من طبيعته المقدسة كنص ديني صادر عن الوحي، وتعامل معه كنص أدبي يخضع لآليات فهم النصوص. وبعبارة أخرى، انتهج أبو زيد قراءة أدبية نقدية للطروحات الفقهية التي تناولت تفسير النص القرآني في ضوء أدوات ومناهج تحليل الخطاب الحديثة (السميولوجيا – الهرمنيوطيقا – علم اللغة – علم الأسلوب – علم السرد)، ليضع القرآن الكريم ضمن حقل النصوص الأدبية قبل أن يعتبره لاحقًا خطابًا يدور حول معنى الحياة، وهنا يصبح القرآن الكريم مثله مثل أي نص منتج، كما يرى أحمد ماجد.

لعل الآليات المنهجية والنظريات الفلسفية التي أدخلها حامد أبو زيد على حقل الدراسات القرآنية هي الأكثر إثارة للجدل منذ أن قام طه حسين بنشر كتابه “في الشعر الجاهلي” في عشرينيات القرن الماضي، فقد قدم رؤية جدلية جديدة لنقد الخطاب الديني التقليدي وكذا المنهج الكلاسيكي فيما يتصل بقراءة النصوص الدينية.

مشروع أبو زيد النقدي: تأويل أم تضليل؟

يستخلص من خلال الاستقراء التأويلي للمشروع النقدي لنصر حامد أبو زيد أن المشروع بُني على المخاتلة والتلفيق، ويحمل في طياته الكثير من المضمرات. فقد وقف على أرض الفكر الإسلامي، ولكنه استعمل العدة المعرفية الغربية كالسميولوجيا والهرمنيوطيقا بالإضافة إلى الألسنية والأسلوبية. ورغم إعماله للحفر في المنظومة الفكرية والدينية للمجتمعات العربية والإسلامية، إلا أنه بقي مسكونًا بالآخر/الغربي – العلماني الذي يشكل النموذج الذي يسعى للتماهي والحلول فيه، حسب أحمد ماجد.

تفريغ النص من قدسيته

من أبرز الانتقادات الموجهة لأبو زيد محاولته إفراغ مفهوم النص من محتواه وإعادة تأسيسه على أرضية التشكل والتشظي، وذلك عندما حاول اعتبار النص القرآني منتوجًا ثقافيًا، أي نصًا لغويًا وأدبيًا. ويقول في أحد المواضع: “فإن الوحي القرآني نص لغوي كغيره من النصوص البشرية”. وغايته هي إبعاد النص القرآني عن مصدره الإلهي/الوحي، أي أن النص الديني هو ظاهرة لغوية أو بالأحرى لغة أدبية لا تنفصل عن حدود الزمان والمكان، وأنها ذات جوهر تاريخي. ويرى النقاد أن هذه المحاولات في التعامل مع النص القرآني كنص لغوي وأدبي فقط بمعزل عن كونه نصًا إلهيًا هي محاولة غير موفقة ولا طائل من ورائها إلا النيل من قدسية النص القرآني، إذ يقصي الذات الإلهية العالية المقدسة، ويتأثر بذلك بالقراءات العلمانية المعاصرة المستحدثة. وقد انتقد الباحثون بشدة قراءة أبو زيد للقرآن الكريم باعتباره “نصًا لغويًا” أو “منتجًا ثقافيًا بشريًا”، مؤكدين أن هذا المنهج يقفز على حقائق العقيدة التي تعتبر القرآن الكريم وحيًا إلهيًا مطلقًا وليس نتاجًا للبيئة العربية القديمة.

تأثير المناهج الغربية

تُتهم قراءة أبو زيد المعاصرة بأنها، وتحت تأثير المناهج الغربية، لا تبحث عن تأويل النص ودلالته وبما جاء به القرآن الكريم عقيدة وشريعة وهداية وتوحيدًا، ولا بوصفه نصًا مقدسًا كلي المعرفة. وإنما يعمل الكاتب تحت تأثير ما يعرف بنظرية موت المؤلف والهرمنيوطيقا والتفكيكية والبنيوية وغيرها من الفلسفات والمناهج التي لا تناسب مقام النص الديني، لأنها مناهج وضعت لنصوص بشرية وتطبيقها يقلل من حيوية النص الديني ويثير تعسفًا في التفسير.

إعادة تعريف المفاهيم وتاريخية الأحكام

أعاد أبو زيد “معننة” المفاهيم وتعريفها تعريفًا “جديدًا” يحمل معنى مغايرًا يقطع مع الذات الحضارية والثقافية ومع الهوية الدينية والقومية. وقد خلط بين المفاهيم ولم يضع حاجزًا بين قدسية النص القرآني ونقد التراث الديني. بل اتهم الكاتب بأنه خلط بين نقد الفكر الديني (تفسيرات البشر) وبين النص الديني المقدس (القرآن الكريم). ووجهت انتقادات حادة لمنهجه في “تاريخية النص”، حين اعتبر المنتقدون أن ربط الأحكام بالظروف التاريخية يؤدي إلى إبطال عموميتها ويجعل المعنى متغيرًا ونسبيًا، مما يهدم ثوابت الإسلام.

إقصاء المرجعية الوحيانية

يرى النقاد أن خطأ نصر أبو زيد يكمن في تخليه عن الناحية الوحيانية والإلهية للقرآن الكريم، واعتباره مجرد دلالة لغوية. وقد أدى هذا التقليل بالقرآن الكريم وبالخطاب الإلهي إلى استبعاد وإقصاء ونفي المرجعية المعرفية للقرآن الكريم، والاكتفاء فقط بالدلالات اللغوية في سياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي.

طابع “المعركة” في خطاب أبو زيد

يصف الربيعو خطاب نصر حامد أبو زيد بأنه يسيطر عليه “طقس المعركة”، حيث يعتبر نفسه منذ البداية منخرطًا في معركة قديمة وجديدة تقودها قوى التقليد والسلفية والمتحكمين باسم الدين. وقد شهد صراعات طويلة مع أعلام التيار الإسلامي في مصر من أمثال عبد الصبور شاهين وفهمي هويدي. هذه الصراعات والمعارك الثقافية هي التي أضفت على خطابه طابعًا سجاليًا وليس محض خطاب أكاديمي أو حتى خطاب معرفي، خصوصًا أن لغة السجال طرأت بقوة على خطابه بعد إصداره لمؤلفات مثل “مفهوم النص”، “نقد الخطاب الديني”، و”الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية”.

وفي تحليل آخر، يرى أحمد ماجد أننا نجد أنفسنا أمام “أبوزيد” كما لو أننا أمام نزعة “أوديبية غير واعية” تقتل الأب ولكنها تحتفظ بصورته كتذكار حتى لا يشعر القاتل بالذنب الناتج عن فعلته، لذلك يحفل نصه بميراث الفقيد كمخيال اصطنعه وتكلم عنه وحاول أن يقنع الآخرين به.

في الختام، يبقى مشروع نصر حامد أبو زيد النقدي محطة فكرية بارزة في تاريخ الدراسات القرآنية المعاصرة، أثار من خلالها أسئلة جوهرية حول طبيعة النص الديني، آليات فهمه، وعلاقته بالسلطة والمعرفة، ولا يزال صداها يتردد في الأوساط الفكرية حتى اليوم.


للمزيد من الأخبار، زوروا

موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *