صورة تجسد أطباق إفطار رمضانية متبادلة بين الجيران أو تجمع عائلي رمضاني.
المجتمع

رمضان وتحدي الجوار: بين إرث التكافل وواقع التباعد الاجتماعي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

يحل شهر رمضان المبارك كل عام حاملاً معه نفحات روحانية عميقة ودعوات متجددة للتقارب الإنساني والتكافل الاجتماعي. ومع ذلك، تبرز في السنوات الأخيرة مفارقة لافتة تستدعي التأمل: ففي الوقت الذي تتجلى فيه مظاهر التدين الفردي والطقوس الرمضانية بوضوح، تشهد إحدى أعمق القيم الاجتماعية المرتبطة بهذا الشهر تراجعاً ملحوظاً، ألا وهي علاقة الجار بجاره. هذا التحول يضع الجوار في رمضان بين ذاكرة حافلة بالتضامن وواقع يميل نحو النسيان.

ذاكرة رمضان: حين كان الجار سنداً وعضداً

في الذاكرة الجماعية، لم يكن رمضان مجرد فترة للصيام والعبادة، بل كان موسماً خصباً للحياة المشتركة والتلاحم الاجتماعي. كانت الأزقة والشوارع تضج بالحركة قبيل أذان المغرب، وتتبادل الأسر أطباق الإفطار الشهية بسلاسة وعفوية، في تجسيد حي لمعاني المشاركة والاهتمام المتبادل. لم يكن السؤال عن الجار مجرد واجب اجتماعي، بل سلوكاً فطرياً ينبع من إحساس عميق بالانتماء للمجتمع المحيط.

لقد تربى الأطفال منذ الصغر على قيمة طرق باب الجار حاملاً طبقاً، كدرس أخلاقي لا يُنسى، وعلى أن القرب المكاني يفرض مسؤولية إنسانية متبادلة. هذه التفاصيل اليومية نسجت شبكة تضامن غير معلنة، أثبتت فعاليتها في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية من فقر ووحدة وظروف صعبة.

الواقع المعاصر: تقارب جغرافي وتباعد إنساني

غير أن المشهد اليوم قد تبدل بشكل لافت. فمع التوسع العمراني وارتفاع المباني الحديثة، اتسعت المسافات النفسية بين الجيران. بات الكثيرون يقضون سنوات طويلة دون معرفة أسماء من يقطنون بجوارهم، وأصبح التواصل يمر عبر الشاشات الرقمية أكثر من عبوره عتبات الأبواب.

ساهمت عوامل متعددة في هذا التحول، أبرزها إيقاع الحياة المتسارع، وضغوط العمل المتزايدة، وتصاعد النزعة الفردية، بالإضافة إلى النمط السكني الحضري الذي يحد من فرص اللقاءات العفوية. ومع هيمنة العالم الرقمي، أصبح الفرد على اتصال دائم بالعالم البعيد، لكنه في المقابل، أقل حضوراً وتفاعلاً في محيطه القريب. وهنا تتجلى المفارقة الرمضانية بشكل أوضح: شهر يُفترض أن يعزز أواصر القرب الاجتماعي، لكنه يُعاش أحياناً ضمن دوائر ضيقة تقتصر على الأسرة النواة.

التضامن في رمضان: من المبادرات الكبرى إلى لمسات الجوار

لا يعني تراجع علاقة الجوار غياب روح الخير والعطاء؛ فالمبادرات الخيرية تتكاثر وتتنوع خلال شهر رمضان، وتتسع حملات التبرع والإفطارات الجماعية عاماً بعد آخر. بيد أن التضامن الحقيقي والعميق غالباً ما ينبع من المسافة الأقرب: عتبة باب الجار.

فمجرد السؤال عن جار مسن يعيش وحيداً، أو مشاركة وجبة إفطار بسيطة مع أسرة تمر بضائقة، قد يحمل أثراً أعمق وأبعد من مبادرة خيرية بعيدة لا تلامس تفاصيل الواقع اليومي. إن التضامن هنا لا يقتصر على فعل إحسان عابر، بل هو بناء لشعور بالأمان الاجتماعي، حيث يدرك الفرد أنه ليس وحيداً في مواجهة تحديات الحياة.

الجار: مرآة تعكس صحة المجتمع

يُعد مدى قوة علاقات الجوار مؤشراً حيوياً على تماسك المجتمعات وصحتها. فحين يتعارف الناس ويتواصلون، تتراجع مستويات العزلة وتتعزز الثقة المتبادلة، ويتحول الحي من مجرد تجمع سكني إلى فضاء إنساني نابض بالحياة. أما في غياب الجار عن الوعي الاجتماعي، فتتحول المدن إلى تجمعات بشرية مزدحمة بالأفراد، لكنها فقيرة بالروابط الإنسانية.

ويقدم شهر رمضان، بما يحمله من أبعاد روحية وإيمانية، فرصة سنوية ثمينة لإحياء هذا المعنى الجوهري؛ إذ يذكر الإنسان بأن العبادة لا تنفصل عن حسن المعاملة، وأن القرب من الخالق يمر أيضاً عبر القرب من المخلوق.

من الحنين إلى الفعل: دعوة لإحياء قيم الجوار

ليس الهدف من هذا الطرح استعادة الماضي بحذافيره، فالمجتمعات تتطور وتتغير بطبيعتها، ولكن الممكن هو إعادة إحياء جوهر العلاقة الإنسانية في سياق يواكب تحديات العصر. خطوات بسيطة قد تعيد الدفء المفقود: تحية صادقة، طبق إفطار رمزي، تفقد جار محتاج بصمت، أو مبادرة جماعية صغيرة داخل العمارة أو الحي.

في الختام، يبقى السؤال مطروحاً مع كل قدوم لرمضان: هل سنكتفي بالحنين إلى زمن التضامن الغابر، أم أننا سنحول هذه الذكرى إلى ممارسة يومية ملموسة؟ فالجار في رمضان ليس مجرد تقليد اجتماعي قديم، بل هو قيمة إنسانية أصيلة قادرة على مقاومة موجة العزلة الحديثة، إذا ما قررنا ألا نتركها تسقط في طي النسيان.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *