صورة لمومياء الملك رمسيس الثاني المعروضة في متحف، تظهر تفاصيل التحنيط القديم والملامح المحفوظة.
منوعات

رمسيس الثاني وفرعون موسى: كشف الستار عن لغز تاريخي عبر مومياء ملكية في باريس

حصة
حصة
Pinterest Hidden

مقدمة اللغز الأبدي

لطالما ظل تاريخ مصر القديم وآثارها صامتة عن حادثة “خروج العبرانيين” من أرض مصر، وهي الواقعة التي ورد ذكرها في سفر الخروج بالكتاب المقدس وفي آيات متعددة من القرآن الكريم. وبالمثل، لم تُفصح النصوص الدينية المقدسة عن اسم الفرعون الذي عاصر النبي موسى وحكم مصر في تلك الحقبة. هذا الصمت المتبادل أثار فضول العديد من علماء تاريخ مصر القديم، ودفعهم إلى تكريس جهودهم ومعلوماتهم التاريخية لوضع فرضيات قد تقود إلى حل هذا اللغز وتحديد شخصية هذا الملك “المجهول”، بانتظار ظهور أدلة أثرية جديدة تحسم هذا الجدل.

في عام 1976، استقبلت قاعدة “بورجيه (دويني)” الجوية في العاصمة الفرنسية باريس مومياء الملك رعمسيس (رمسيس) الثاني، التي وصلت على متن طائرة عسكرية فرنسية من طراز “بريجيه” ذات الطابقين. وقد أُقيم للمومياء استقبال رسمي مهيب، حضرته مبعوثة الرئيس الفرنسي آنذاك، وقائد القوات المسلحة الفرنسية، وسفير مصر في باريس، بمشاركة الحرس الجمهوري الفرنسي وعزف الموسيقى العسكرية. بعد ذلك، استقرت المومياء في “متحف الإنسان” بقلب العاصمة، تمهيدًا لإجراء عملية ترميم لها على يد نخبة من العلماء الفرنسيين، بسبب “فطريات أصابتها”.

كان الرئيس الفرنسي قد نجح في إقناع الرئيس المصري وقتها، محمد أنور السادات، بإرسال مومياء الملك إلى باريس لإجراء فحوص علمية دقيقة. كان الهدف من هذه الفحوص الكشف عن المزيد من أسرار حياة الملك ومعرفة أسباب وفاته، خاصة وأنه توفي في سن متقدمة وكان يعاني من أمراض الشيخوخة.

على مدار سبعة أشهر كاملة، من 26 سبتمبر/أيلول 1976 وحتى 10 مايو/أيار 1977، استقبلت باريس “ضيفها الجليل”، كما وصفته العالمة الفرنسية البارزة مدام كريستيان دي روش نوبلكور في دراستها “رعمسيس الثاني. القصة الحقيقية”. وأضافت نوبلكور أنه “خُصصت للفرعون قاعة كبرى معقمة، ومن أجل التوصل إلى كشف الفطريات والبكتريا المهاجمة للمومياء الملكية، ووضع خطة لإنقاذها، عمل رئيس متحف الإنسان على حشد نحو 120 مساعدًا له، تطوعوا جميعًا لأداء هذه المهمة، من بينهم 63 باحثًا علميًا في مختلف التخصصات”.

لماذا مومياء رعمسيس الثاني في باريس؟

كان وراء إرسال مومياء الملك رعمسيس الثاني إلى باريس ثلاثة أهداف رئيسية:

  1. معالجة المومياء من الفطريات التي ظهرت على الأرجل والكعبين وفي الكتف الأيمن وتجويف البطن.
  2. محاولة معرفة المزيد عن أسرار طرق التحنيط المصرية القديمة، وتحديد أسباب الوضع الذي آلت إليه المومياء، وتحديد تركيب ومحتويات مواد التحنيط.
  3. محاولة التوصل إلى معرفة السبب الحقيقي لوفاة الملك؛ هل كانت وفاة طبيعية نتيجة لتدهور صحة الملك بسبب كبر سنه، أم أنه توفي بسبب “اختناق”، على اعتبار فرضية تقول إن “فرعون الخروج” مات غرقًا.

قبل وصول المومياء إلى العاصمة الفرنسية، أعدت الحكومة الفرنسية معملًا مجهزًا بتقنيات علمية حديثة في متحف الإنسان، وذلك بمساعدة معمل الأنثروبولوجيا بالمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس. زُوّد المكان، الذي أطلق عليه اسم “معمل رعمسيس الثاني”، بجهاز للأشعة السينية وأجهزة تكييف للهواء وجهاز لقياس الرطوبة، وكانت تُجرى يوميًا عمليات تسجيل للعوامل الجوية.

حدد الفريق العلمي برئاسة البروفيسور ليونيل بالو، مدير متحف الإنسان، برنامجًا تفصيليًا لأخذ عينات من المومياء. وكانت الدكتورة كوليت روبيه مشرفة على عملية التنسيق العلمي بين الباحثين والمعامل والمراكز والمعاهد العلمية المختلفة التي اشتركت في عملية فحص المومياء.

استدعت المهمة مشاركة ما يزيد على مئة باحث علمي وعشرين مؤسسة ومركزًا ومعهدًا علميًا، أبرزهم: المركز الوطني للبحوث العلمية (لأخذ العينات وفحصها)، وإدارة الطب الشرعي (لفحص البقايا العظمية والجلدية)، ومعهد الحفريات البشرية (لفحص بقايا التربة العالقة)، ومعهد باستير للتحاليل الميكروبيولوجية، ومؤسسة الطاقة الذرية بكالي وغرونوبل (لمعالجة المومياء بأشعة غاما)، ومتحف الإنسان، وقسم الآثار المصرية في متحف اللوفر، وغيرها.

شمل برنامج عمل الفريق العلمي أخذ عينات من خارج وداخل المومياء، وفحص العمود الفقري والشعر والتجويفين الصدري والبطني، وفحص مواد التحنيط، وعمل ترميم لأربطة الكتان والشقوق، وفحص كتان الحشو والكتان الممتد أسفل المومياء، فضلًا عن العلاج الإشعاعي للمومياء للقضاء على الفطريات.

فحص الفريق جميع أجزاء المومياء، داخليًا وخارجيًا، والهيكل العظمي والأجزاء الرخوة، وذلك باستخدام الأشعة السينية التقليدية، والفحص بالراديوغراف العادي، والتصوير الزيروغرافي والتصوير اللوني الكثافي، والتصوير باستخدام منظار داخلي، مع تقسيم أجزاء العمل في المومياء إلى ستة أقسام.

كما أعد العلماء دراسات بكتيرية وفطرية للمومياء، وأخذوا عينات من بقايا النباتات العالقة عليها، وتكمن أهمية هذه النباتات في أنها تعد أقدم عينات نباتية من نوعها في العالم. كما أخذوا عينات من بقايا حبوب اللقاح وأخشاب وحبوب ومواد صمغية وحبيبات رمال. وقد نُشرت جميع هذه الدراسات في مؤلف ضخم صدر بعنوان “La Momie de Ramses II (مومياء رعمسيس الثاني)” في عام 1985، أي بعد تلك الفحوص العلمية بثمانية أعوام.

آلام وأوجاع رمسيس الثاني

أوضحت الدراسة الميكولوجية، وهي دراسات علم الفطريات، لبعض الأجزاء من بين أرجل وكعبي المومياء وأيضًا في الكتف الأيمن، أن بعض البكتيريا موجودة بسبب تغيرات في الحرارة والرطوبة منذ الكشف عن المومياء في خبيئة الدير البحري التي قام بتفريغها العالم الفرنسي غاستون ماسبيرو عام 1881، وفك لفائفها رسميًا في الأول من يونيو/حزيران عام 1886.

كما أسفر الفحص العلمي عن اكتشاف تآكل في عظام الفكين العلوي والسفلي، ووجود جيوب في مستوى جذور الأسنان نتيجة تجمعات صديدية (خُراج)، كما أوضحت الأشعة السينية وجود تسوس في منطقة الضروس. ولم تبين الفحوص وجود أي علاج للأسنان أثناء حياة الملك.

وتبين أيضًا وجود آثار التهاب في الفقرات العنقية، وتصلب في الشرايين المرفقية والفخذية والساقين، واعتلال كامل في عظام الوركين، وهشاشة في شعر الرأس. كما ثبُتت إصابة الملك بالتهاب تصلبي في المفاصل، وهو ما يُعرف بالتهاب المفاصل الروماتيزمي (Spondylarthrite ankylosante) خلال السنوات العشرين الأخيرة من عمره، وكل ذلك يدل على تدهور صحة الملك بشدة، بحسب دراسة نوبلكور.

استطاع الفريق العلمي علاج المومياء بأشعة غاما وعمل التعقيم العلاجي بالإشعاع، وذلك بمعرفة مؤسسة الطاقة الذرية في غرونوبل. وأسفرت هذه العملية عن قتل معظم البكتيريا الحية والفطريات داخل المومياء وخارجها، فضلًا عن ترميم اللفائف وكتان الغطاء.

إضافات نوعية لعلم المصريات

كتبت العالمة الفرنسية نوبلكور فصلًا بعنوان “ما يعد إضافة إلى علم المصريات”، وذلك في مؤلف “مومياء رعمسيس الثاني” الذي شمل جميع الاستنتاجات والنتائج العلمية لفحص مومياء الملك وما يعد إضافة جديدة بالنسبة لعلم دراسات تاريخ مصر القديم، المعروف اصطلاحًا بـ “علم المصريات”.

وأشارت نوبلكور في الدراسة، وأيضًا في دراستها اللاحقة “رعمسيس الثاني: القصة الحقيقية”، أنه “خلال عملية التحنيط قام الكهنة بحشو قفصه الصدري بالكثير من المواد المطهرة القاتلة للجراثيم، وعلى ما يبدو أنهم استعانوا بأوراق النيكوتيانا (النيكوتين) بعد فرمها فرمًا ناعمًا”.

وأضافت: “أثار ذلك الكثير من العجب والدهشة لدى فريق الأطباء المعالجين، فإن ذلك النبات (النيكوتيانا) لم يكن قد عُرف بعد في مصر… كما عُثر على الآلاف من حبوب لقاح أزهار البابونج، مما يشير إلى استخدامها في عملية التحنيط أيضًا.”


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *