رمضان: شهر الروحانية والتأمل
مع حلول شهر رمضان المبارك، يستقبل أكثر من ملياري مسلم حول العالم هذا الشهر الفضيل بقلوب يملؤها الإيمان والروحانية، ملتزمين بفريضة الصيام من الفجر حتى غروب الشمس. إنها عبادة تتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، لتشمل تهذيب النفس والتقرب إلى الخالق. ورغم التحدي الجسدي الذي يمثله الصيام، إلا أنه يحمل في طياته جمالاً روحياً عميقاً، ويعزز الروابط الأسرية والمجتمعية حول موائد الإفطار التي تجمع الأحبة على شكر النعم.
لطالما احتفت البلدان الإسلامية بهذا الشهر بزينتها الخاصة وتجمعاتها وأنشطتها الترفيهية، لا سيما للأطفال، وأعمال الخير المتعددة التي تجسد قيم التكافل والتضامن. وكما يقول المثل، فإن الجوع في رمضان يذكر الإنسان بمعاناة المحرومين، مما يعمق الإحساس بالتعاطف.
قوانين رمضان: بين الواجب الديني والإكراه القانوني
غير أن هذه الروحانية تتعارض أحياناً مع ممارسات بعض الحكومات التي تختار فرض هذه الفريضة الدينية بالقوة. فما يُعرف بـ«قوانين رمضان» تجرم الأكل أو الشرب علناً خلال ساعات الصيام، مما يؤدي إلى تكرار أخبار اعتقال أشخاص لعدم التزامهم بالصيام في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.
كانت ولاية كانو شمال نيجيريا من أوائل المناطق التي شهدت تطبيق هذه القوانين هذا العام، حيث احتجزت الشرطة الدينية، المعروفة باسم «الحِسبة»، تسعة أشخاص بتهمة تناول الطعام علناً. وقد صرح قائد الحِسبة، مجاهد أمين الدين، بأن الهدف هو «تعليمهم أهمية الصيام، وكيفية الصلاة، وقراءة القرآن، وأن يصبحوا مسلمين أفضل». هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول دور أجهزة الشرطة في فرض الشعائر الدينية.
نطاق تطبيق قوانين الصيام والعقوبات
لا يقتصر تطبيق هذه القوانين على ولايات شمال نيجيريا التي تطبق الشريعة، بل يمتد ليشمل دولاً ومناطق أخرى مثل السعودية والمغرب والكويت والإمارات وقطر وعُمان والأردن والعراق وباكستان وبروناي وماليزيا، بالإضافة إلى إقليم آتشيه في إندونيسيا. تتراوح العقوبات بين الغرامات والسجن القصير، وتصل إلى أشدها في إيران حيث قد يواجه المفطر علناً السجن لشهرين أو الجلد بما يصل إلى 74 جلدة. وفي أفغانستان، يفرض القانون الجنائي الجديد لحركة طالبان 20 جلدة وسجن شهرين على المسلم الذي «يتناول الطعام عمداً خلال شهر رمضان».
الجدل الفقهي: الإيمان الفردي أم الضبط المجتمعي؟
يدعم كثير من العلماء الإسلاميين المحافظين هذه القوانين، معتقدين أنها تصون الدين والأخلاق العامة، وتجسد الواجب القرآني بـ«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ومع ذلك، تبرز رؤية إسلامية مضادة تؤكد أن المسلمين يؤدون واجباتهم الدينية، بما في ذلك الصيام، إرضاءً لله وحده، وليس للدولة أو الشرطة أو المجتمع. وبالتالي، لا ينبغي لأحد أن يراقب تقواهم أو يتدخل في علاقة يفترض أن تكون مباشرة بين العبد وربه.
في كتاب حديث بعنوان «لا إكراه في الدين – بلا استثناءات: حجج إسلامية من أجل الحرية الدينية»، يسلط مصطفى أكيول، الكاتب في شبكة الشرق الأوسط للإرسال وزميل أول في معهد كاتو، الضوء على هذه الرؤية البديلة. ويتضمن الكتاب فصلاً لمحمد لمعلم بعنوان «الصيام لله لا للمجتمع: الحجة الدينية ضد قوانين رمضان».
المنظور المغربي: دعوة للحرية الدينية
في هذا السياق، يبرز موقف الفقيه المغربي البارز أحمد الريسوني، الرئيس الأسبق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. خلافاً لزملائه، يتبنى الريسوني موقفاً إصلاحياً لافتاً، مؤكداً أن الالتزام الديني يجب أن ينبع من قناعة داخلية لا من إكراه خارجي. وقد صرح في مقابلة عام 2016 بأنه لا يحق لأحد التشكيك في قرار من لا يصومون، وأن «الأمر بينهم وبين الله… ولهذا لا أؤيد قانون [رمضان] في هذه المسألة».
يشير الريسوني أيضاً إلى أن الفقه الإسلامي نفسه يقر إعفاءات من الصيام لأسباب مشروعة كالمرض والحمل والسفر. وبالتالي، فإن حظر الأكل علناً يفرض الصيام على مسلمين غير ملزمين به أصلاً من الناحية الدينية، ناهيك عن غير المسلمين الذين لا يُتوقع منهم الصيام.
الصيام الطوعي: مقارنة بين تركيا وإيران
إن قوانين رمضان تبدو غير ضرورية في جوهرها. فملايين المسلمين حول العالم يعيشون في دول لا تطبق مثل هذه القوانين – سواء في دول علمانية كإندونيسيا وأوزبكستان وتركيا، أو كأقليات في الغرب – ومع ذلك يصوم معظمهم بدافع الإيمان الحقيقي. وهذا ما تقوضه قوانين الإكراه.
مقارنة بين إيران وتركيا توضح هذه النقطة: ففي إيران، «الجمهورية الإسلامية» ذات الشرطة الدينية الصارمة، أظهر استطلاع عام 2020 أن 40% فقط من الإيرانيين يلتزمون بالصيام فعلياً. بينما في تركيا العلمانية، حيث الصيام خيار شخصي، أفاد استطلاع عام 2016 بأن 65% من الأتراك يصومون رمضان.
خاتمة: حرية الاحتفاء بروحانية رمضان
إن فرض رمضان بالقوة لا يزيد من الالتزام الحقيقي به. فالذين يصومون يفعلون ذلك بدافع إيمانهم الصادق وارتباطهم العميق بتقاليدهم، ولا يحتاجون إلى أجهزة أمنية لملاحقتهم. إن المسلمين يمتلكون بالفعل روح الشهر الفضيل، وكل ما يحتاجونه هو الحرية للاحتفاء بها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق