تستعد مدينة الإسكندرية، عروس البحر الأبيض المتوسط، لتوديع أحد أبرز معالمها التاريخية ورمزاً عريقاً من هويتها، مع اقتراب الأيام الأخيرة لعمل ترام الرمل، أقدم ترام في إفريقيا والشرق الأوسط. هذا القرار، الذي يقضي بإزالة خط السكك الحديدية الذي طالما جاب المدينة بألوانه المبهجة، أثار جدلاً واسعاً وانقساماً حاداً بين سكان المدينة، بين من يرى فيه تحديثاً ضرورياً للبنية التحتية ومن يعتبره طمساً لذاكرة الإسكندرية.
ترام الرمل: تاريخ عريق يواجه التغيير
منذ عام 1863، شكّل ترام الرمل شرياناً حيوياً في قلب الإسكندرية، ليس فقط كوسيلة نقل، بل كجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة. لقد لعب دوراً محورياً في تحويل الإسكندرية إلى مدينة عالمية نابضة بالحياة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، واحتضن جاليات أوروبية كبيرة. وهو من بين القلائل في العالم التي لا تزال تشغل عربات ذات طابقين، ما يمنحه طابعاً فريداً.
صراع بين الحفاظ والتحديث: آراء متباينة
أثار إعلان الحكومة عن خطط استبدال عربات الترام بخط قطار خفيف حديث موجة من الغضب بين قطاع واسع من الإسكندرانيين. يرى هؤلاء أن الترام يمثل تراثاً حياً وجزءاً أصيلاً من تاريخ المدينة، لا مجرد وسيلة نقل عادية. وقد عبر العديد من المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي، مثل “إكس” و”فيسبوك”، عن حزنهم وشعورهم بالنوستالجيا تجاه هذا المعلم الذي عايشوا معه ذكرياتهم.
على سبيل المثال، أشار عمر عبر منصة “إكس” إلى أن الترام جزء لا يتجزأ من تاريخ الإسكندرية. كما دعا مصري آخر على “فيسبوك” إلى الحفاظ على القيمة التاريخية والجمالية للترام، مقترحاً إيداع العربات القديمة في متحف بدلاً من بيعها.
في المقابل، يرى آخرون أن هذه الخطوة تأتي ضمن منظومة التحديث الشاملة التي تشهدها مصر، وأنها ضرورية لتطوير البنية التحتية للمدينة وتحسين كفاءة النقل. وقد أشاد بعضهم بقرار إزالة الترام القديم كجزء من عملية تطوير عادية.
تساؤلات قانونية ومخاوف مجتمعية
على الرغم من أن القضاء لم يفصل بعد في مدى قانونية قرار تفكيك وبيع ترام الرمل، فقد شرعت الحكومة بالتعاون مع شركات مقاولات في تنفيذ أعمال التفكيك. هذه الخطوة، التي تسدل الستار على 163 عاماً من تاريخ الترام في الإسكندرية، أثارت تساؤلات حول قانونية الإجراءات المتخذة في ظل عدم صدور حكم قضائي نهائي.
كما ظهرت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل مزاعم فساد مالي وراء إيقاف الترام تمهيداً لتطويره. وتطرق البعض إلى قيمة بيع العربات، معتبرين أنها لا تتناسب مع القيمة المعنوية والتاريخية للترام.
بالإضافة إلى ذلك، عبر المهتمون بجمال ورونق الإسكندرية عن مخاوفهم من أن تؤدي إزالة الترام إلى القضاء على أحد أجمل معالم المدينة، بل وذهب البعض إلى التعبير عن قلقهم من إمكانية تحويل مسارات الترام المهجورة إلى أماكن لتجميع القمامة.
التأثير على حركة المرور وخدمة النقل
بدأ الإيقاف المؤقت لترام الرمل في جزء من مساره (من فيكتوريا وحتى مصطفى كامل) تجريبياً في الأول من فبراير/ شباط 2026، ضمن خطة للإيقاف الكلي تمهيداً لتحديث وتطوير الخط كجزء من مشروع مترو الإسكندرية، مع وعد بتوفير وسائل نقل بديلة.
وزارة النقل أكدت أن المشروع الجديد يمثل “الحل الوحيد لمشكلة المرور في المدينة”. ومع ذلك، يرى منتقدون أن هذه الخطط قد تزيد من اعتماد المدينة على السيارات، مما يفاقم الازدحام المروري بدلاً من حله. وقد اضطرت السلطات بالفعل إلى تعديل مواعيد المدارس والجامعات لتعويض توقف جزء من الخط، نظراً لاعتماد آلاف الطلاب عليه.
وفي خضم هذا الجدل، يظل ترام الرمل شاهداً على حقبة زمنية، ووسيلة نقل خدمت قطاعاً كبيراً من سكان الإسكندرية بكفاءة، رغم تواضع مستوى الخدمة في سنواته الأخيرة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق